الاندماج للرجال فقط!

الاندماج للرجال فقط!

رند صباغ . رئيسة تحرير إيد بإيد

في ظل البحث الدائم عن الأطر الأفضل في طريق الاندماج، واختلاف تعريف المفهوم بين القانوني والحقوقي، وبين التعريفات المجتمعية أو التي يطلقها الناشطون، إلا أن عملية الاندماج تصادف واحدةً من العقبات الهامة، والتي غالباً ما يتم تفادي الإشارة إليها، أو عدم الالتفات نحوها بشكل حقيقي، ألا وهي مسألة التمييز بحسب الجندر.

وربما تتجسد هذه العقبة في الأنماط الفكرية التي يحملها بعض اللاجئين أو القادمين الجدد، والتي غالبا ًما يتغلب عليها الطابع الذكوري الواضح، وهو ما من شأنه تغييب النساء ووضعهن تحت نير السيف الذكوري من جديد، في مجتمعٍ منفتح، استطاع إلى حدٍ كبير التخلص من الكثير من الأفكار والحواجز التي تمنع النساء عن أداء دورهن الفاعل وتحصيل حقوقهن المساوية لأقرانهن من الرجال، سواءً من خلال التطور الكبير الذي شهدته ألمانيا خلال العقود الأخيرة المتتالية في قوانين الأحوال الشخصية، أو في الضمانات الدستورية المتاحة والتي تتناول المساواة كواحدٍ من أهم بنودها.

فمنذ أيام، صادفني مقطع مصور لأحد ناشطي الإنترنت من اللاجئين السوريين في ألمانيا، أعرب من خلاله عن غضبه من واقع النساء السوريات اللواتي ما إن وصلن إلى أوروبا، حتى أخذن يطالبن بحقوقهن، و(يخرجن عن طاعة رجالهن)، متهماً إياهن بالانفلات وناعتاً إياهن (أو كما يقول بعضهن) بصفاتٍ شديدة البذاءة، متسائلاً عما جعلهن ينتظرن لطلب الطلاق على سبيل المثال حتى الوصول إلى أوروبا؟

الفيديو الذي انتشر بشكلٍ كبير بين مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن ليعكس رأي صاحبه فحسب، وإن جاءت الكثير من التعليقات الرافضة له وللمحتوى، بيد أنه يعكس هواجس ذكورية تؤرق شريحةً لا بأس بها من اللاجئين القادمين من المشرق، حيث ازدادت الهيمنة المناوئة لمنح المرأة حقوقها، وصارت أكثر عدوانية في بعض الأحيان، بحجة الحفاظ على العادات والتقاليد.

لكن هذه العادات والتقاليد لم تمنع معظم الرجال، ولنقل الذكور على وجه العموم، من الاندماج في المجتمع الألماني، والدخول في الحياة الغربية وأنماطها، فصار من الاعتيادي وجود علاقاتٍ إنسانية وعاطفية واجتماعية مع الألمان، لكن العكس لم يكن صحيحاً دوماً، فالقيود تزداد شدتها مع النساء، فلا تراهن بالقرب عينه من المجتمع، حتى أن العائلات باتت في قسم كبير منها، تفرض على بناتها العودة في أوقاتٍ أبكر من تلك التي كانوا قد اعتادوا عليها في بلادهم، وتتوجس الشر في كل تحركاتهن.

فعلى سبيل المثال، أذكر في إحدى المجموعات السورية على الفيس بووك، كتب أحد الأعضاء أنه “يخاف على بناته من أن يكبرن في هذه البلاد التي تنتشر فيها الفاحشة – على حد وصفه-“، وبدأ يطلب النصح من بقية المشاركين في المجموعة، لتأتيه مجموعة كبيرة من التعليقات المؤيدة والقادمة بمعظمها من المشاركين الذكور، والذين كانوا يشددون على ضرورة الحفاظ على الإناث من خطورة المجتمع الألماني، ومتابعتهن عن قرب، وتضييق الخناق عليهن بشكلٍ أكبر، خوفاً من أن ينحرفن، وكأن المجتمع الألماني بحسب تصورهم، يعمل بشكلٍ منظم ومخطط له، لإبعادنا كمهاجرين أو لاجئين، بالأخص النساء من بيننا، عن ثقافتنا وعاداتنا ومجتمعنا، ضمن مؤامرةٍ لا يكشف أوزارها غير من يتخيلها ويعيش بناءً عليها.

وربما لن أجد رداً على الذكورية العمياء، إلا ما قالته إحدى معلمات اللغة الألمانية في واحد من صفوفها، حين اعترض على حديثها عن المساواة بين الرجال والنساء، سيل من الردود الضاحكة والساخرة والرافضة بحججٍ حمقاء، من قبيل “وهل تستطيع النساء قيادة الحافلة أو العمل في المعامل، أو حمل الباطون، أو هل تطيق العمل المعماري”، فما كان من المعلمة إلا أن تجيبهم، “يبدو أنكم لا تعلمون من بنى هذه البلاد، بل لم تتجولوا في شوارع ألمانيا إلى اليوم!”.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: