أدب المهجر المعاصر …… تحديات في أروقة الغربة

أدب المهجر المعاصر …… تحديات في أروقة الغربة

إيد بإيد-برلين-فتحي نبهان

 

ظهرت مع أواخر القرن التاسع عشر، فئة جديدة من الأدب، امتازت بالتحرر من قوالب الأنماط الأدبية التقليدية، ولُقِبَت بأدب المهجر، وكان لروادها كبير الأثر في النهضة العربية خلال القرنين المنصرمين، ولعل أهم الأسباب التي دفعت نحو ظهور تلك الفئة هي الهجرة والهروب من بطش الاستبداد  إلى جانب حركة الهجرة العالمية نحو الأمريكيتين، حيث عزّ على الكثير من المثقفين والأدباء العيش في كنف الظلم والاستعباد لينطلقوا في رحلة البحث عن الحرية، لكن أدب المهجر لم يتوقف يوماً، بل تراه مستمراً الى يومنا هذا نتيجة لتجدد أشكال الاستبداد في الشرق الأوسط.

لكن ما بين الحركة القديمة التي أضافت سمات الحداثة للأدب العربي، بحركةٍ تبادليةٍ أفقية بين المهجر والوطن، ما تزال إرهاصات المرحلة الحديثة غير مسبورة الأغوار، والتي ارتبطت بشكلٍ وثيق مع الربيع العربي، وما تأتى عنه من اضطرار الكثير من الأدباء والمثقفين إلى جانب الآخرين لاتخاذ طريق اللجوء والهجرة بعيداً عن الوطن، وهو ما يذكرنا بنشأة حركةٍ موازية مع الشتات الفلسطيني، حيث ساهم أدباء المهجر الفلسطينيون بإثراء المخزون الأدبي والفكري والمعرفي المشرقي، وإن اختلفت درجة الترحاب والدعم للمنتج الفلسطيني في أزمنةٍ مختلفة من القرن الفائت، فإن مثقفي الغرب والجهات الداعمة، لا تمتلك التردد عينه في كثير من الأحيان حيال منتج القادمين الجدد اليوم، فما انعكاسات المهجر على الأدباء المعاصرين؟ وكيف تراهم يتناولون أدبهم في مرحلة مع بعد الهجرة، أو ربما الاندماج أيضاً؟ وهل ستستمر حركة الدعم التي نراها اليوم مع انتهاء الاهتمام الغربي بأزمة اللجوء العالمية؟

 

 

تدوير الزوايا:

“لم يبق شيء على حاله منذ أن أغمضنا أعيننا لحظة اتخاذ قرار النجاة والفرار من السرب الذي يمضي نحو حتفه، لحظة قرار البحث عن أرض جديدة وهوية مكتسبة”.

هكذا ابتدأت الشاعرة السورية رشا حبال حديثها عن اختلاف طريقة كتابة القصيدة بين الوطن والمهجر، وتضيف: ” ينطبق هذا بالدرجة الأولى على الروح أيضاً، إضافةً إلى آلية التفكير وزاوية الرؤية، إلى جانب الالتقاط الذهني والروحي للصور التي تعيد تدويرها ككاتب لتكتبها من زاويتك أنت”.

وترى حبال أنه عند مقارنة ما كتبه الشاعر أو الأديب سابقاً مع نتاجه الحالي، يتضح نضج العبارة بشكل واضح، مشيرةً “نرى اليوم أن العبارة قد نضجت مثلنا تماماً، وكأنها ند لنا، فصار بإمكانها أن تصفعنا على مؤخرتنا حين نحاول الوقوف عند المرحلة القديمة”، وتكمل: “يقولون (الغربة بتكبر)، ويبدو أن كل شيء يكبر معها أو ربما يموت”.

وحول الاهتمام الألماني حالياً بالأنواع الأدبية التي يقدمها اللاجئون أو القادمون الجدد، ترى الشاعرة رشا حبال أنّ: “الكثير من الأضواء مسلطة على كافة الأشكال الثقافية التي جلبها القادمون الجدد معهم”، متسائلةً: “لكن السؤال الحقيقي، هل ستبقى هذه الأضواء؟ أما تراها موجة عابرة بسبب سخونة الحرب التي تستولي على اهتمام وأنظار العالم كله؟، أم أنها محاولة حقيقية لفهم الآخر ومنحه فرصة ليكون صاحب مساحة حقيقية في البلاد الجديدة؟”، لتجيب بنفسها على السؤال بقولها: “لا يمكن إطلاق أحكام مسبقة على المشهد الثقافي في السنوات القادمة في أوروبا، لكنه وبالتأكيد سيشهد انصهاراً وتأثيراً بين الثقافتين”.

 

كشف داخلي:

 

بينما يبدي الشاعر اليمني جلال الأحمدي رأيه من خلال تجربته الخاصة، ويرى أنه وبطبيعة الحا

ل، يمكن اعتبار الكتابة بطريقةٍ أو أخرى كشفاً لما يحدث داخلنا، على

حسب تعبيره، مضيفاً أنه و”حين تختلف طريقة حياتنا لابد أن يؤثر الأمر بدوره على ميكانيكية تفكيرنا وبالتالي تراه ينعكس على تصرفاتنا وردود أفعالنا تجاه كل ما حولنا، وأحد هذه الأشكال الناتجة هو الكتابة”.

وعن طبيعة هذه التحولات يقول الأحمدي أن “الأشياء كلها تغيرت من

حولي، علاقةٌ جديدةٌ بعالمٍ مختلفٍ كليّاً، فكان لا بدّ أن تؤثر وتغير مسار اللغة في كتابتي ونمط تفكيري في الوقت عينه”، ويكمل: “أشياء جديدة دخلت إلى عوالم لغتي، أسماءٌ وأماكن، آلاتٌ ووجوه، أصواتٌ وسكون، ودون استئذان صارت جزءاً من حياتي”.

إلا أنه يرى وفي الوقت عينه أن الأمر لا يتعلق بطبيعة اختيار المواضيع بالفعل، بل يكمن التحول والتغيير في طريقة معالجة النص والتفاعل معه، أو حتى الحكم عليه، حيث “تظهر مفردات جديدة أو أخرى لم تكن مهم

ةً بالنسبة إلي”.

 

 

الأدب واللاوطن:

 

من جانبه يرى الشاعر السوري أحمد ودعة، أن المهجر “هو اللاوطن، وأنه من غير الطبيعي ألا تختلف طريقة الكتابة بين الوطن واللاوطن”.

ويضيف ودعة أن “هناك الكثير من الأسباب التي تجبر أي كاتبٍ على التغيير، أهمهما فقدان الانتماء، والشعور الداعم بالحاجة لإيجاد خطوته الخاصة، وتحسس الطريق” أما من جهة أخرى فيقول أن “اختلاف الثقافة والرؤية والمساحة البصرية الدخيلة حديثاً، والتي لم تكن يوماً لتخطر في بال الكاتب، إلا عن طريق الأفلام والروايات التي قرأها وبناها في مخيلته، فمثلاً –يضيف- لم يكن يخطر في بالي يوماً قبل خروجي من دمشق الكتابة عن الهجرة والموت في قاربٍ مطاطي لو لم أعش تلك اللحظات، أو حتى أن أتحدث عن الحياة القاسية في بيروت، أو عن (الماكينة) التي تأكل الشباب السوري في إسطنبول، لو لم أكن داخلها أيضاً”.

فالشاعر بالنسبة إليه أو الكاتب بشكلٍ عام هو “كل ما تلتقطه عدستا وجهه، وما يعلق على جلده من رمادٍ وشحوب”، وفي ظل قلة المنابر الثقافية العربية، واختلاف اللغة والثقافة بين بلاد المهجر والموطن الأصلي، وصف أحمد ودعة: “بالنسبة إلي وكوني في ألمانيا داخل هذا التجمع الكبير من السوريين على وجه التحديد، وممن يتحدثون ويكتبون العربية بشكل عام، فلا يمكنني القول أنه من الصعب وجود منبرٍ لأقدم قصائدي من خلاله، لكن عندما نتحدث عن تجمع كهذا من الكتاب والشعراء، فلا نستطيع أن نغض الطرف عن السلبيات التي يحملها”.

وحول اختلاف اللغة والثقافة، اعتبر الشاعر أنه أمر يطول شرحه ولهذا اختصره بمقولٍ مقتبسة “الشعر يخسر عندما ينتقل من لغةٍ إلى أخرى”، مؤكداً أنه لا يقف ضد الترجمة بشكلٍ كامل، حيث أنها الطريقة الوحيدة التي تساعد الأدباء على إيصال ما يكتبونه للوسط الثقافي الجديد، بيد أن الحاجة الحقيقية تكون “لمترجم يقوم بإيصالك كما أنت”، ويضيف “لو كانت الكتابة لعباً، فترجمة الشعر هي (لعبة من يخسر يربح)، لما تخلقه من شاعرٍ مختلف في لغةٍ أخرى، وقد تخلق أشباهاً أو أقنعة موتى تحت اسمٍ واحد يتعدد لصاحبة، حياً أو كسيحاً أو ميتاً” كما يقول المترجم والشاعر جولان حاجي.

 

 

التجديد والأمل:

وفي ذات الأطروحة علق الشاعر جلال الأحمدي) مخالفاً لما أورده الشاعر (أحمد ودعة عن وجود “حركة تجديدية في شكل ومضمون النص العربي في ألمانيا، وذلك كونه البلد الذي وصل إليه العدد الأكبر من المهاجرين العرب مؤخرا، وهي تجربة شابة وقادرة على الإقناع”.

ويضيف الأحمدي :”آمل أن أتقن الألمانية والكتابة بها في يومٍ من الأيام، لكن وحتى يحدث هذا، هناك حياة طويلة علي أن أعيشها، ونصوص لأكتبها باللغة الوحيدة التي أتقن، ورغم اختلاف اللغة والثقافة إلا أن نصوصي بعد الترجمة الألمانية، استطاعت أن توصل كثيراً مما أقصده في النص الأصلي، وهو أمر جميل”، ويكمل “لطالما كنت مؤيداً لترجمة الأدب بكافة أشكاله إلى أية لغةٍ كانت، حيث أؤمن بأن القارئ أي كان عرقه أو ثقافته، فهو قابل للتأثر بالنص الجيد والذكي حتى بعد الترجمة، وهو أمر لمسته بنفسي من خلال التفاعل مع الجمهور أو القراء في الفعاليات التي شاركت بها”.

 

 

لطالما كان الأدب عنصراً هاماً في تأريخ الحياة الاجتماعية للشعوب، بما له من دورٍ فارقٍ في تحريك أفكار الرأي العام، على أمل أن يعود تأثير أدب المهجر من جديد على مجتمعاتنا في الشرق الأوسط كافة عن طريق تعزيز مفاهيم الحرية بحراك شعبيٍ واعِ للنهوض من جديد بربيع عربي نتفادى اغتياله.

 

مقالات ذات صله

اترك رد