كبار السن بين مطرقة الغربة وسندان الإندماج

كبار السن بين مطرقة الغربة وسندان الإندماج

إيد بإيد-برلين-محمد حورية

 

أجبرت الظروف التي تشهدها المنطقة العربية الكثير من مواطني هذه الدول على مغادرة أوطانهم بحثاً عن الأمان في الدرجة الأولى وعن مستقبل أفضل في الدرجة الثانية، حيث لم تقتصر حركة النزوح على فئة عمرية دون أخرى بل شملت فئات من أعمار مختلفة من الأطفال والشباب والشيوخ من كلا الجنسين، وأينما حلو كانوا يحملون معهم أعباء الحرب التي أتت على حياتهم بكل جوانبها العملي والتعليمي والاجتماعي.                                                                                              وذكرت بعض الأحصائيات أن نسبة كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم الـ 60 بين اللاجئين تتجاوز الــ 15 %، فيما يؤكد الأخصائيون الاجتماعيون أن التحول الكبير في البيئة الاجتماعية، قد ترك آثاراً سلبية على كافة الفئات، بيد أن الفئة العمرية لكبار السن كانت الأكثر تضرراً جراء هذا التحول المفاجئ، وذلك نظراً لفقدانهم ماضيهم وصعوبة التأقلم مع حاضرهم وواقعهم الحالي، وغيرها من العوامل.

صعوبات تواجه كبار السن في تعلم اللغة:

يعتقد معظم اللاجئين أن واحدةً من أبرز المشكلات التي يعاني منها اللاجئ تكمن في تعلم اللغة، إلا أن الأمر يبدو أكثر صعوبةً لمن هم في سنٍ متقدمة، وبالإضافة إلى صعوبة الحفظ والتعلم، تبرز مشكلة الذهاب إلى المدرسة والجلوس على مقاعد الدراسة من جديد إذ أن الكثير منهم قد انقطعو عن الدراسة منذ عشرات السنين…!

” أبو سامر ” 62″ عاما يحكي لنا تجربته في تعلم اللغة فيقول: “على الرغم من التفاوت الكبير بيني وبين باقي الطلاب في دورة اللغة إلا إن المدرس يتعامل معنا بنفس السوية وهنا تكمن الصعوبة حيث أن التفاوت العمري والتفاوت في سرعة الإستيعاب يجعلني متأخراً عن غيري ناهيك عن المشاكل الاخرى المرتبطة أيضا باختلاف الاجيال بيننا”.

أما السيدة “منى ” 67 عاماً تقول: ” أتيت إلى هنا منذ سنةٍ ونصف مع أبني الذي رفض تركي وحيدة في سوريا، وحتى الآن لم أتعلم كلمة واحدة ولم أذهب إلى المدرسة ولا أستطيع الخروج وحدي وأبني يخرج من الصباح الباكر ولا يعود إلا مساءً وهو متعب.”                                                              وتضيف السيدة منى: ” أعاني من وحدة قاتلة وكم أتمنى أن أعود إلى بلدي!، ولكن فقدنا كل شيئ ولم يعد لي أحد هناك، وأيضاً من الصعب أن أتعلم اللغة وأنا في هذا السن فذاكرتي لم تعد تسعفني، إضافة إلى أنني أعاني من أمراض مزمنة جعلتني ثقيلة الحركة “.

المجتمع الجديد والعادات الجديدة تعكر حياة كبار السن:

يقول أبو سامر إن انعدام التواصل الاجتماعي في هذه البلاد يجعل الحياة هنا أكثر تعقيداً بالنسبة للوافدين الجدد، ويضيف: “إن وانتقالي من حياة بسيطة إلى حياة معقدة في أبسط تفاصيلها جعلني أشعر بالوحدة والانعزال عن المجتمع الالماني، الذي يحتاج بشكل اساسي إلى اللغة لنتمكن من التواصل معنا”.

وفي السياق عينه تقول السيدة منى: “خلال فترة وجودي في مركز الإيواء كنت اتحدث مع عائلات عربية من سوريا والعراق وأمضي الوقت متنقلة بين الغرف. ولكن بعد أن انتقلت إلى منزل مستقل أصبح الأمر أكثر صعوبة حيث أن الشقة في بناء لا يسكنه إلا الألمان ولا أستطيع الحديث معهم، حتى أني صرت أشعر كأني في سجن ولا أعرف ماذا أفعل! فأنا أمضي وقتاً طويلا وحدي حتى أني أخشى أن أتعرض إلى نوبة مفاجئة ولا أجد أحداً يسعفني”.

وفي حالة مختلفة تحدثنا مع السيد دريد المأمون 57 عامأً فيقول: “كنت أعمل في مجال الإخراج التلفزيوني في سوريا وأنا هنا مع أسرتي، وعلى الرغم من أني أتعلم الألمانية إلا أني أجد صعوبةً كبيرة في التركيز، وأنا أتواصل مع معظم من حوالي باللغة الإنكليزية ولكن تبقى المشكلة أمامي في الدوائر الحكومية التي يرفض معظم موظفيها التحدث إلا باللغة الألمانية”.

الحل يبدأ من الأسرة والأبناء:

للتخلص من العزلة التي يعيشها كبار السن يقول الأخصائي الاجتماعي محمد عبد المولى: “يقع الجزء الأكبر من هذه المهمة على عاتق الأبناء، حيث يتوجب عليهم مراعاة الحالة التي يمر بها الوالدان، وذلك بترديد العبارات التي تشعرهم بقرب العودة إلى الوطن، إلى جانب ضرورة تخصيص وقتٍ يومي للجلوس معهم وتعليمهم بعض المصطلحات الضرورية بطريقةٍ سهلة، كما يمكن اصطحاب الأهل إلى التسوق وإرشادهم على الطرق الأنسب”.

يضيف عبد المولى: “من المستحب الخروج مع الأهل أيضاً في العطل إلى الأماكن التي تكثر فيها التجمعات العربية والألمانية، مما قد يكون كفيلاً بمساعدتهم بكسر روتين الغربة، وبناء علاقات اجتماعية جديدة عوضاً عن تلك التي خسروها”.

العمل على تدريب اللاجئين على رعاية كبار السن:

بدورها تشجع الحكومة الألمانية اللاجئين على الانخراط في دورات تدريبية وتعليمية في كيفية رعاية كبار السن، وقد شهدت هذه المهنة في ألمانيا طلباً متزايداً بسبب توافد عددٍ كبيرٍ من المهاجرين من كبار السن.                                                                                                                          في حين ترى الحكومة الألمانية أن وجود أشخاص من اللاجئين في هذه المهنة يساعد بشكل كبير في تخطي هذه المشكلة، بسبب عدم قدرة الالمان على القيام بهذا العمل نتيجةً اختلاف العادات والتقاليد. وذكرت مواقع الكترونية حكومية أن ألمانيا قد تحتاج إلى 100 ألف عامل في هذا المجال خلال السنوات القليلة القادمة.

لا شك أن فكرة الاندماج لدى كبار السن لاتقل أهمية عن الفئات العمرية الأخرى، إلا أنها تحتاج إلى مزيد من الوقت والصبر، وأيضاً لابد من تظافر الجهود بين الأبناء والحكومة الألمانية والمنظمات الخيرية والتطوعية لمساعدتهم على التكييف التدريجي مع المجتمع الجديد، مع عدم تجريديهم من ماضيهم والحفاظ على الحد الأدنى من الإرتباط بالأرض والوطن.

 

مقالات ذات صله

اترك رد