الطلاق ليس جريمة….

الطلاق ليس جريمة….

كينورا توما، إيد بإيد

لطالما تميزنا كشعب سوري بعلاقاتنا الأسرية القوية ، لكن البعض من السوريين يرون العكس هنا في المانيا فتلك العلاقات والمناسبات والأحاديث اليومية في سوريا كانت مسرحية محبوكة مزقتها الحرب وكشفتها الغربة.

سارة الاسم المستعار للشخصية التي تتمحور حولها هذه المقالة ، عندما تعمل كمترجم في إحدى مراكز اللجوء ستتعرض إلى عشرات القصص اليومية عن الاجئين القاطنين هناك ، سارة إمراة شابة في الثالثة والعشرين من عمرها أم لطفلين من محافظة دير الزور كانت دائمة الجلوس في غرفتها لا تخرج منها ابداً، إلا أن مرذلك اليوم الذي طلب مني زوجها مرافقتهم إلى المستشفى بعد أن تعرضت لنزيف حاد أدى إلى إجهاد مولودها التي كانت تنتظره، قالت الطبيبة لي أن أترجم لزوجها بأن أمرأتك ضعيفة ولا تقوى على الإنجاب الان جسدها منهك وتعاني من نقص التغذية ، فقال زوجها لي إذاً حان الوقت أن نضيف أخرى لتنجب “إني أريد مولوداُ الان” ،قالت لي الطبيبة ماذا قال؟ قلت لها لا شي ، نظرت إلى سارة التي كانت تبكي من المها وإلى زوجها غير المكترث بحالتها التي رأى بها فرصة للزواج بأخرى.

زوج سارة في الثامنة والعشرين من العمر كان يحاول دائما التقرب من الفتيات في مركز اللجوء الذي كنت اعمل به و كان يخرج كل يوم مرتدياً أجمل ما لديه بينما سارة كانت بالثياب المهترئة التي أتت بها من تركيا حتى أنها كانت معروفة بالمركز بالمرأة مخزقة العبائة، ولم يكن يسمح لها بالخروج أو التعرف إلى أي شخص ، كان يقول لي “إذا عطيتها وجه بكرا مين رح يضبها لا تفكر إذا أجت لألمانيا رح تصير أجنبية”

تعاطفت مديرة مركز اللجوء كثيراً مع سارة وطلبت مني أن أحاول التواصل معها بحجة الذهاب معا إلى العيادة ، لنعرض حالتها على مركز استشاري لهكذا حالات في “كولن” .

بعد عام حصلت سارة على الطلاق لم يكن سهلاً أبدا، فقدت الاتصال مع اهلها اللذين عارضا قرارها لكنها مرتاحة الان تعاني كثيراً بتعلم اللغة لأن اهلها أخرجوها من المدرسة قبل انتهاء مرحلتها الاعدادية ،لا زلت على تواصل معها وهي دائمة القول بأنها تستمد قوتها واستمرارها من أطفالها ، لكنها قلقة من النظرات الغريبة والعبارات الجانبية من السوريين معها في مدرسة اللغة.

المرأة السورية المطلقة هنا في ألمانيا أصبح ينظر إليها كأمرأة ناكرة للجميل وخائنة لزوجها لأنها عندما حصلت على المساعدات الاجتماعية لم يعد يهمها الزوج الذي كان يصرف عليها في سوريا، لنكن منصفين هنا فهذا هو المفهوم الشائع والقاعدة التي ترتكز عليها الكثير من العائلات في تلقين بناتهن اسس الزواج، بأنه الشاب الذي سيصرف عليكي وكلما كان ثرياً كلما عشت بسعادة فقط عليكي أن تبحثي عن هذا الشخص الذي سيغير حياتكي بدون أن تشغلي نفسك بالتفكير والتعب، ولا سيما في المجتمعات المنغلقة التي تنظر بصورة سلبية للفتاة الجامعية

والعاملة وهذا يخيف الاهل اللذين يمنعون في كثير من الأحيان بناتهن من الدراسة واختبار المجتمع المحيط بهن مما ينتج عنه فتاة غير مكتملة الشخصية وغير ناضجة على اتخاذ قرارها بشكل صحيح وبالتالي عدم قدرتها على تكوين أسرة سليمة ، فيهربن من واقعهن إلى القفص الذهبي الذي يرسمه المجتمع أمام الفتاة المعتقدة بأنه الحل النهائي لكل مشاكلها، إلى أن تقع كفريسة لهذه المصيدة وتبدأ المشاكل والشجارات نتيجة الاختيارات الخاطئة وغير المدروسة.

من الناحية القانونية للرجل والمرأة حقوق متساوية في المطالبة بالانفصال في المانيا ومن ثم الحصول على الطلاق ووفقاً لهذا القانون فإنه يمكن للزوجين الطلاق إذا خلص القاضي أنه لا توجد أي فرصة لإنقاذ الزواج وبعد التأكد من أنهما قد انفصلا بالفعل لمدة كبيرة لتجنب أي قرارات متهور، ويمكن لأحد الزوجين المطالبة بالطلاق فوراً دون المطالبة بالإنفصال إذا تعرضت أو تعرض الأطفال لمحاولة قتل أوعنف أو سوء المعاملة أو أدى سلوك الطرف الآخر إلى التخوف من حدوث ذلك.

ويعتبر البت في الأمور المادية بالطلاق أمرا معقدا في القانون الألماني، لكنه بصفة عامة يتقاسم كلا الطرفين كل ما تم شراؤه أو استثماره معا خلال فترة الزواج على إعتبار أن الحقوق المادية محفوظة بالتساوي للطرفين.

الحياة الزوجية في المانيا قائمة على المشاركة ومساندة كل طرف للاخر، وهناك الكثير من النساء السوريات اللذين أرغمن على الزواج من قبل الأهل أو المجتمع المحيط في موطنهن الأصلي، وزادت الحرب من حجم الضغوطات النفسية وحالات الاكتئاب التي يعاني منها كثير من الاجئين والتي انعكست أيضا على سلوك الرجل والمرأة تجاه أسرتهم وتسببت في إهمالهم لواجباتهم أو في العصبية الزائدة ، فالطلاق وخاصة للمرأة السورية ليس بالسهل فالقانون المدني الى جانبها لكن الاجتماعي ضدها ، إحتواء الاخر ومحاولة بناء اسرة جديدة بمعايير اجتماعية مختلفة طبقا لمعطيات المرحلة سينشأ أسرة متجانسة قائمة على أسس صحيحة لا يستطيع إختراقها أحد .

وبين عائلات فقدت إحدى أفرادها….. وعائلات تنتظر لم شملها وأخرى مشردة في هذا العالم الواسع تبقى الأسرة الحضن الدافئ والمتنفس الوحيد الذي يطمح إليه أي سوري عانى من مرارة الحرب.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: