التربية الإعلامية.. ضرورة تعليمية

التربية الإعلامية.. ضرورة تعليمية

كينورا توما، إيد بإيد

لا شك أن المنزل هو اللبنة الأساسية لبناء المجتمعات، فتحت سقفه تنشأ الأسر، وتتكون وتحمي نفسها من الأخطار الخارجية المحيطة بها.. لكن هل فكر المرء من قبل كيف يبني منزله الفكري الخاص ومبادئه التي يستطيع استخدامها في حياته العامة التي تعكس شخصيته وتميزه عن الآخرين سواء سلبا أو ايجابا.

مارتن هايدغر الفيلسوف الألماني يقول: إن الإنسان يقوم بفعل البناء ليحقق هدف الاستمرارية والعيش لكن بذات الوقت ليس كل ما يبنيه الإنسان يصلح للعيش في كل زمان ومكان وقوانين الإنشاء تختلف من طبيعة مكان لآخر، هذا الاقتباس يساعدنا على الوصول إلى فكرتنا الأساسية وهي بناء العقل.

لنحاول إسقاط الفكرة على أنفسنا كبشر، هل هناك قواعد نستطيع إتباعها أيضاً كقوانين وقواعد البناء لنصل إلى الفكر المثالي للتعايش معه وفهم البيئة المحيطة….، الإعلام في وقتنا الحالي ليس فقط السلطة الرابعة بل هو الأداة الأولى التي تشكل عقلنا ويعتبر كحجر الأساس الذي يرتكز عليه الإنسان في العالم الرقمي الحالي، نواجه يومياً عشرات الرسائل الإعلامية التي نحاول تفسيرها وفهمها استناداً إلى ثقافتنا والبيئة التي ترعرعنا فيها دون تحليل الرموز المخفية والكامنة في الصورة والكلمة على حد سواء وهنا أتحدث عن الوطن العربي الذي يتميز أبناءه بالتسرع بأخد القرار والحكم دون التفكير بالرسائل الإعلامية التي تستخدم الدين والسياسة لدفعه إلى القيام بتصرفات معينة لطالما نجح الإعلام العربي باستخدام هذه الثغرة وهي التسرع بامتصاص المعلومة كما هي دون تحليل رموزها وفك شفراتها مما جعل المواطن العربي ضحية للكثير من الاخبار الملفقة والتي هدفها يكون دائما وابدا إثارة عواطفه ومشاعره القومية والدينية.

لنعود لفكرة المنزل ونستخدم المنهج الذي تتبعه التربية الإعلامية وهو منهج يدرس في بعض المدارس الأميركية يستخدم من خلاله النهج التحليلي والنقدي للتفكير أكثر بعمق بالأخبار اليومية والرسائل الإعلانية ومحاولة فهمها، لكن هناك خمسة مفاتيح رئيسية وهي عبارة عن أسئلة نستطيع طرحها على أنفسنا بكل مرة نشاهد فيها أي خبر سياسياً كان أو اقتصادياً ، في البداية يجب أن نستخدم قدراتنا الفكرية بالتساؤل ما هو عمل الإعلام وكيف نستطيع تطبيق التربية الاعلامية كمنهج في حياتنا اليومية ؟

تتلقى الوسيلة الإعلامية كل يوم عشرات الأخبار وتقوم بعدها باختيار الأخبار التي تخدم أهدافها وتؤثر على جمهورها فعملية الاختيار هذه والكلمات المنتقاة والمساحة والوقت الممنوح تحمل في طياتها رسالة مخفية يجب علينا التفكير بكل هذه العملية التي تنتج المحتوى الذي نتعرض اليه كل يوم، هذا يمنحنا القدرة التحليلة لكشف الأخبار الملفقة و الصور المتلاعب فيها.

التساؤل الثاني الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو التقنية المستخدمة لجذب انتباه الجماهير فكل شريحة عمرية تتأثر بوسيلة أكثر من أخرى، خاصة المراهقين فأصبحت منصة اليوتيوب المصدر الأول والأكثر استخداماً وبمعرفة هذا نستطيع الوصول إليهم بسهولة وسرعة أكبر.

تفسير الرسالة الإعلامية ذات المحتوى الواحد بشكل وطرق مختلفة أمر طبيعي وصحي ويختلف من شخص لآخر فالوسيلة الإعلامية تحاول معرفة الأنماط المختلفة من الجمهوروتصيغ الوسيلة الإعلامية رسالتها دائماً لتلبي حاجاتهم وإشباعاتهم وتستغل أيضاً هذه الحاجة بتلفيق الأخبار الكاذبة لإرضاء الفكر العام الذي تتوجه له، من جهة اخرى ىمحاولة التساؤل والتحليل تمكننا من بناء عقلية خاصة بنا مبنية على منطقنا الشخصي واستيعابنا كبشر وبهذا نتجرد من عواطفنا التي لطالما تستغلها وسائل الإعلام كافة وتستفز بها الجمهور العاطفي الذي يفتقد الى الفكر التحليلي ويحاول أن يتبنى بشكل مباشر الرسالة الإعلامية كما هي مقولبة من المصدر.

الأمثلة كثيرة ابتداء من الربيع العربي الذي استخدمت فيه الوسائل الإعلامية كافة وسائل الخداع التي لم تكن موفقة بها، فصياغة وإعداد الخبر الملفق أو الفيديو يحتاج إلى حرفية عالية لإنتاجه وصحفيين متمكنين، فآلية عمل الخبر الكاذب داخل غرفة الأخبارتعتمد على قدرة الصحفي الذي يضع أمام عينيه هدفاً من كتابة الخبر يتمثل في إقناع المتلقي بأنه موجود وحصل في مكان وزمان معين ليحقق به مراد الوسيلة أو القضية التي يعمل من أجلها ويجب أن يؤمن بهذا الخبر كحقيقة واقعة ويبدأ بصياغته على أساسها ويخفي أي حجة تدحض خبره.

وهنا تأتي فائدة استخدام منهج التربية الإعلامية وضرورة تلقينه في المدارس العربية، فهي الطريقة الوحيدة التي تستطيع إعادة بناء الشخصية والفكر العربي ومنحه التفرد عن الجماعة التي تشبهه دائماً وتؤثر عليه وتجعله يتسائل دائما عن مصدر المعلومة وكيف يتفاعل معها.

 

من ورشة عمل مدينة ايسن حول “الأخبار الكاذبة”.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: