إلى أي حد تتيح/ تعيق القوالب فرص اندماجنا؟

إلى أي حد تتيح/ تعيق القوالب فرص اندماجنا؟

ياسمين نايف مرعي -رئيسة التحرير

تتالى المواقف التي تواجهنا في بلاد اللجوء، مما يضعنا كل يوم أمام جدية سؤال الهوية والانتماء وإلحاحه، وأمام تأويل “الاندماج” وتفسيره، كقالب علينا أن نتلاءم ضمنه، وكعملية نتعرضىخلالها (نظرياً على الأقــل) لذوبان في الملامح، بعضها أو كثيرها.

مـن هــذه الـمـواقـف، مـثـلاً، جلسة نقاش أقامتها مؤسسة هاينرش بول قبل حوالي شهر في برلين، حول النساء “ذوات البشرة غير البيضاء “color of women” ومع اعتبار النوايا الإيجابية وصدق المؤسسة في العمل ضد العنصرية، ومنح النساء اللاجئات أو المهاجرات من ذوات البشرة الملونة الحق في التعبير عما يواجهنه من عنصرية على اختلاف وجـوهـهـا، والـحـق كـذلـك فـي تقديمb طروحاتهن لحل المشكلات الاجتماعية  المترتبة عـلـى مــا يـوصـف بـــ “التغيير الديموغرافي” الناتج عن تدفق مئات آلاف
اللاجئين، إلا أن المصطلح يبقى صادماً، وتــبــقــى لـــتـــردداتـــه في الذهن آثار قاسية، تفرض التساؤل حـول الشعارات التي لا يكف السياسيون في الغرب، ولا المدافعون عـن حـقـوق الإنــســان و…

عن المناداة بها، بـدءاً من“المساواة” مــروراً بحقوق النساء، الكرامة الإنسانية، والأهـــم “الديمقراطية.”وهـنـا لا بــد مــن الـوقـوف
والتفكير بالدلالة المجتزأة للديمقراطية، التي تأخذ حسب ما نرى بعداً سياسياً يحكم عمليات الانتخابات، الرئاسية منها، الحكومية والنيابية، لكنها تتخلى عـن بعدها الاجتماعي، تاركة المدى مفتوحاً أمام كافة أشكال التمييز، التي لا تنحصر في لون البشرة. فـي مـيـدان آخـــر، تـقـول مسؤولة الدراسات العليا في أحد أقسام جامعة هومبولت، إذ يتعذر قبولي استناداً على ما لدي من مواصفات: لماذا لا تتقدمين بطلب لجوء، فيتم قبولك بين الطلاب اللاجئين؟ لتبدأ الأسئلة تأخذ خطاً عكسياً حول امتيازات اللاجئ، أو تزيين اللجوء بالامتيازات فــي مــوقــف ثــالــث، يــقــول لاجـئ فلسطيني سوري في عقده السابع عنالاندماج: لا يعنيني شيء من الحياة هنا إلا أن أغـادر “الهايم” وتصبح لي شقتي الخاصة، حيث يمكنني استقبال ضيوفي دون أن أطـلـب منهم الـمـغـادرة قبل العاشرة حسب قوانين الهايم، ثم أن أتعلم كيف أركب الباص الذي يوصلني إلى أقرب متجر أستطيع فيه شراء البيض والبندورة والعودة إلي بيتي، فـإذا كان لــدي جــار ألماني لطيف، يمكننا تبادل التحية إذا صــادف أحـدنـا الآخــر على مدخل البناء… ألا يكفي ذلك لأكون مندمجاً؟ تغيب عن الكثيرين من المواطنين هنا دوافع اللاجئين للجوء، في ظل التحريض السياسي، فيما يسعى بعضهم لكشف هــذه الــدوافــع وإنـصـاف أصــحــابــهــا. بــــات علينا اليوم كلاجئين التفكير في آليات رواية حكاياتنا، وبمدى المسؤولية عن إيصال حكايات من لم تكتب له النجاة مثلنا، ثم التفكير بدورنا في خلق مفردة جديدة غير الانــدمــاج، تخفف قـسـوة دلالتها، وتقلل من حدة خوفنا كلما فكرنا أن هناك علاقة تناسب طردي بين مستوى اندماجنا وبين خسارتنا لصفاتنا وعاداتنا وآليات تفكيرنا.

اللجوء، في تأرجحه بين أن يكون وصمة اجتماعية، وامـتـيـازاً، يحتاج منا التحول من مواقع رد الفعل إلى مواقع الفعل، ومن مواقع الخوف من القرارات إلى مواقع متابعتها وانتقادها والسعي للمشاركة فيها. ألـــم يصبح مــن الـــضـــروري الـيـوم
التفكير بتنظيم الجاليات ولو اجتماعياً؟ ثــم التفكير بـإنـشـاء جـسـور حقيقية لـلـتـواصـل مــع صـنـاع الــقــرار الألـمـانـي، مسنودة على قيادات اجتماعية تبنى بين صفوف اللاجئين؟

هناك الكثير من التداخلات التي باتت تحكم حياتنا وفهمنا لإيقاع هذه الحياة هنا، لكن لا بد لنا من مقاومة التشويش، باستعادة الثقة بالذات أولا، التفكيرباللجوء كحق إنـسـانـي ثانياً، مـغـادرة الإحـسـاس بالدونية وبـضـرورة ملائمة القوالب ثالثاً، ثم خلق الأدوات التي توصلنا إلـى بناء العالقة الصحية المنتجة مع المجتمع الألماني كمجتمع مضيف، نستبدل فيه “الانـدمـاج” بفضاء
التبادل الثقافي والمعرفي، ونغادر ثنائية (وصـمـة/امـتـيـاز) اللجوء إلــى اكتساب الاستحقاق والمشاركة الفعالة.

 

 

 

 

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: