“هل سيأتي مطر يغسل وجه سوريا من الدم والدمار، لا نملك إلا الأمل”  “يا كبير” مرآة مسرحية تعكس صورة سوريا اليوم على مسارح برلين

“هل سيأتي مطر يغسل وجه سوريا من الدم والدمار، لا نملك إلا الأمل” “يا كبير” مرآة مسرحية تعكس صورة سوريا اليوم على مسارح برلين

فريق تحرير إيد بإيد

بمزيج من المونولوج، الحوار المسرحي المعتاد، والخلط بين ما يدور على المسرح، وما يدور في الذاكرة عبر عرض مرئي مرافق، يحمل العرض المسرحي “يا كبير” للجمهور كماً من المتعة الصادمة والوجع الكثيف، ويفتح عليهم بوابة الدهشة والأسئلة المتدفقة، عن الذات وموقعها اليوم من الألم، الوطن، الثورة، العالم، العدالة، وقضايا وأشياء أخرى.

النص الذي يتمحور حول وفاة الأب الدكتاتور، الطاغية أو صاحب الصلة بالعائلة، في إشارة لمنظومة الحكم في سوريا، يعرض كابوساً داخل كابوس، تتخلله حقيقة واحدة هي لقاء الأخ بأخته بعد ست سنوات. في أحد مونولوجات النص يقول ماهر (الأخ): “من ست سنوات أنا وحيد، فاضي وبلا زحلام، والشبح حرب مجنونة ما عم تخلص، برا حدود الكابوس أنا روح مشوهة، ميت عم يمشي، كان بيكفي أصرخ ليقتلوني، بيكفي أحلم لأنترك للريح، رئتيبتردة والبرد غميق، غميق غمق الوقت، أنا بلا أوهام.. أنا بلا أوهام..”

“هذه هي حقيقة المسرحية، الوحدة التي نحياها اليوم، والتي هزت الكثير من القيم، وشبح الحرب والكابوس الذي يمثل ذاكرتنا القريبة و ذاكرتنا البعيدة، ووقوفنا بينهما، في عوالم خارج الجغرافيا”. هكذا يبدأ كاتب ومخرج العرض، المسرحي السوري رأفت الزاقوت، حديثه لإيد بإيد، على خلفية عرض المسرحية في برلين ضمن فعاليات مهرجان performing arts festivaBerlin l بين ٥ – ١٠ حزيران ٢٠١٨.

لدى الحديث عن عن العرض والغاية منه، يقول الزاقوت: “بدأ العمل على العرض قبل قرابة ٦ سنوات، حين شاركتني الفنانة أمل عمران مذكرات لها، أثارت في داخلي رغبة في البناء عليها، فكان هذا العمل. الواقع أن الهدف الأساسي من العرض ليس إفهام الجمهور، فالمسرحية تحاول إثارة مجموعة أسئلة، أكثرها ذاتي، مرتبط بما يدور في ذهني على المستوى الفردي من أسئلة، أظنها تواجه كثيراً من السوريين اليوم: من خلق الدكتاتور، وهل الدكتاتور متمثلاً بحافظ الأسد أو بشار الأسد هو وحده الذي صنع مصير سوريا الحالي، أم إنه نتاجنا جميعاً؟ وعليه تأتي المسرحية التي يجسد نصها شقيقان ينتميان لعائلة رجل عسكري من الصف الأول، أو لنقل العائلة الحاكمة، والدكتاتور ينشأ في سوريا عن بنية هذه العائلة البطريركية التي تقمع فيها الابنة والمرأة، والتي تتضح فيها البنية الهرمية للسلطة البطريركية بين الأخوة الأصغر فالأكبر فالأب، مولدة (هذه البنية) الدكتاتورية التي ليست في سوريا إلا نتاجاً اجتماعياً لثقافة الكبت والمنع والعنف. ومهما كان الحزن المتولد في داخلنا كسوريين عن الاعتراف بهكذا حقيقة، إلا أنه لا بد من الاعتراف بها وإعادة النظر في البنية الاجتماعية الكاملة، في حال كانت رغبتنا صادقة في متابعة الثورة بما بذل لأجلها من دم وتضحيات”.

عن تيمة الانقسام الأسري في سياق الثورة السورية، التي يتناولها العرض، يعلق رأفت: “يبدأ العرض بخبر وفاة الأب (الدكتاتور) لتنفتح نافذة على الماضي، وهو ماض أسود، تماماً كتاريخ سوريا الحديث إذا أردنا أن ننظر في الفترة من ١٩٨٠ حتى اليوم، بما فيها من سجون ومجازر وتأثيرات على دول الجوار كلبنان وغيره. هذا الماضي غير الصحي، الماضي الدموي، سيقود حتماً إلى الانقسام، ثم الفناء، وهذا ما حدث بالضبط. خبر موت الأب هو تحصيل حاصل كمتورط في الدم، لكن أثره على ولديه يبقى؛ نرى ذلك في قول أمل عنه: (كان يعاقبني ويعطيني مصاري)، في إشارة لريعية مجتمعاتنا، التي نحصل فيها على طبابة مجانية وتعليم مجاني، مقابل عقاب شديد في علاقة غير حرة، تدمر البنية النفسية للمجتمع. يأتي موقف الأخ طبيعياً في هذا السياق، لكنه موقف مهزوز، إذ إنه يتبنى الثورة ككثيرين، مع رغبة في التغيير، إلا أنه اكتشف حقيقيته بأنه (ميت يمشي)، فهو مقتول منذ وقت طويل. في رمزية عن جيل دمر فعلياً من الداخل”.

أما عن تكرار جملة “ليش الأموات ما بيموتوا”، فيقول الزاقوت: “لأن أمواتنا فعلاً لم يموتوا، نحن نعيش الآن مع الموت، مع أصدقائنا الذين ماتوا تحت التعذيب، مع من رحل من أحبتنا، مع من ماتوا تحت الأنقاض، مع الأطفال الذين ماتوا، هذه هي الحقيقة، نحن نحيا مع الأموات، وهذا قدر وثمن لكن لا مفر منه. نحن نعيش معهم وسنعيش لأجيال، قد يسعفنا وصولنا إلى عقد اجتماعي جديد لتبدأ (روح الأب بالانعتاق) حسب رؤية شكسبير، ولنتمكن من دفن أمواتنا، فحتى اليوم لم يدفن أحد”. مضيفاً: “نحن أمام دكتاتورية ضارية، ضراوتها لا تأتي من قصدية، بل من بنية تشكلت عليها، بنية لا تملك آليات تفكير لصنع المختلف عن نتاجها المتكرر المتمثل بالعنف كفعل ورد فعل، ليس لأنها تختار الحل العسكري أو العنيف، بل لأنها لا تملك خيارات ولا آليات أخرى”. والنص الذي يقدم عائلة يغتصب فيها الأخ

الأخت، لتقتله وتنتحر “يحمل رمزية قاسية (اعتمدت فيها بعض مؤثرات التراجيديا اليونيانية) لما حدث في سوريا من كم اغتصابات مهول وتدمير للبلد. النظام اليوم أشبه بمن يطلق النار على قدمه التي لا تطاوعه”.

تعلو في النص أصوات الانتقاد الذاتي، الرغبة، وسرد التاريخ الذاتي، يعلق الزاقوات على ذلك بما يمثله من غرقنا كسوريين في “الهم الذاتي” وإعاقته لنا على مستوى الأداء الثوري: “الوجع الفردي هو أحد إشكاليات الحرب الكبرى، كنت أقرأ عنه في أعمال مسرحية لكبار الكتاب، وها أنا اليوم أعيشه. لكن هل أعاق: أقول إنه يقوم بالتشويش”.

نسأل عن ثأرية الأخت، إذ تقول لأخيها: “لو تعرف أديش بدي أؤذيك”، فيعلق رأفت: “ما يحدث على الخشبة هو محاولة للخلاص، لحرق المراكب، أخ وأخت فيهما من العنف ما يكفي لولدي دكتاتور، يمثلان الضد والمع، بعفنهما، نحن في ضفة الثورة بلغنا في بعض النقاط عنفاً يوازي عنف النظام من حيث التوصيف، وهذا مما يجب الاعتراف به عندما نراجع ما فعله الإسلاميون وفصائلهم، وحتى ما ارتكبه بعض العلمانيون على مستوى التنظير العنيف. في الواقع السوري اليوم، لا بد من المواجهة، لسنا بحاجة لرسم أي ملامح إضافية للدكتاتور الذي بات مكشوفاً، بل للاعتراف بخرابنا الداخلي، نحن خربنا من الداخل، وهذا ما يقوله ماهر عندما يحرق المراكب بدافع الانتحار، ولأنه يريد الانتحار بيد أقرب الناس إليه (شقيقته) حرق المراكب واغتصبها، في ليلة ما بعد وصول خبر الأب، لتقتله وتنتحر في إشارة رمزية لماكينة القتل الدائرة في سوريا. وعليه فالخلاص الذاتي اليوم هو في القدرة على الخروج من دوامة الانتقام التي تنتهي بنا حتماً إلى الفناء. وهو خروج مؤلم، لكنه خلاصنا من تشويش وجعنا الذاتي الذي غرقنا فيه فقبلنا بحلول كالإسلاميين، نتيجة تشويشنا”.

وينوه الزاقوت أن “الأسئلة كثيرة وموجعة، لكن رغبتي في الدخول إليها عميقة ومبنية على التصميم بالاستمرار. أنا أتناول الناس الواقفين في الوسط أمام أسلة كبرى، عن الخلاص وكيفيته على المستوى الفردي ومستوى البلاد، ثم المسامحة التي تختلف عن العدالة، المسامحة على مستوى اجتماعي، ورفض القتل استناداً على الأخلاق والضمير”.

أما عن العري الوظيفي الصادم في العرض، فيقول إن “الخيار جاء مسنوداً على حقيقة أننا كسريين عرّينا تماماً أمام العالم، عرينا أنفسنا بقسوة بعد الكثير من العنفوان الذي اتسمنا به كشعب سوري، عنفوان أشبه بعنصرية مبطنة. لقد تبادلنا عملية التعرية كسوريين، وعرينا كذلك من العالم وبصمت.، السوري اليوم ليس لديه ما يخفيه، وهو بالضبط ما فعله البطل، ليحمل عريه إضافة إلى كل هذه الدلالات صرخة إدانة للعالم، ويولد صدمة على المستوى الشخصي كذلك بالتحفيز على رؤيتنا لأنفسنا في مرآة، هي هذا الشاب الذي يشبه الكثيرين منا”.

“العرض جاد محاولة للم تفاصيل الحكاية السورية التي لا يمكن توصيفها بالحكاية، هي كم من التفاصيل التي تحتاج للجمع لتتركب صورة تقريبية تعين على الفهم. هذه التفاصيل هي أشبه بالوجع المتولد عنها بالشظايا، عبر المواجهة المميتة مع الماضي، وهذا ما فعله السوريون حين نبشوا الماضي وهم اليوم يقفون في مواجهته”. هكذا يختم المخرج رأفت الزاقوت حديثه لإيد بإيد، لافتاً أن انتحار الأخت في نهاية العرض هو صيغة مسرحية للاغتسال، وأن المطر الذي انتهى به العرض، هو “جزء من رومنسية الرؤية الفنية وروحها الحالمة، هل سيأتي مطر يغسل وجه سوريا من الدم والدمار، لا نملك إلا الأمل”.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: