القليل من الهواء

القليل من الهواء

مازن أبو اسماعيل

  • أرجوك يا أمي، أريد فقط أن أستنشق القليل من الهواء

  • حسنا، لكن لا تبتعد عن المنزل

ـ أبداً!

منذ وفاة والده، لم تعد قادرة على إجباره على القيام بأي شيء. لقد أصبح يقفل باب غرفته، يجلس وحيداً ويتركها وحيدة حتى خلال أوقات الطعام. وحتى إن حضر، يكون شارد الذهن، مسافراً في مكان ما. لقد وجدته أمراً لا يصدق أن طفلاً بعمر ست سنوات يمكن أن يمتلك ذلك الكم من الأشياء ليفكر ويضيع بها. لكن لا يوجد مكان للأطفال في زمن الحروب. الحروب دائماً ما تجعلهم يكبرون بطريقة ما، مع أن أعمارهم لم تتجاوز البضع سنوات. من الممكن أيضاً أن تكون أعمارنا نسبية في النهاية، إذ إن تجاربنا هي ما تحدد شخصياتنا أكثر مما تفعل مجرد أرقام. كيف بالله عليك يمكن لأطفال شهدوا ما لا يحصى من الدماء والفظائع أن يعودوا للّهو بألعابهم الصماء المصنوعة من البلاستيك المكرر، والتي لا تملك أن تنزف مثل كل شيء آخر من حولهم. أثناء كل هذه الفوضى والوحشية التي أصبحت من الروتين اليومي لهذا البلد، أعتقد أننا يجب أن نتساهل قليلاً مع هؤلاء الأطفال البالغين، أو بالأحرى المجبرين على البلوغ، بأن نسمح لهم بالسهر لوقت متأخر، أو بتناول وترك ما يشاؤون من الطعام، إن وجد، بالرغم من صعوبة الأمر على الآباء والأمهات، أو ما تبقى للطفل من عائلة، أن يعطوا الأطفال حيزاً من الحرية نظراً لأن المسؤولية أصبحت أكبر بكثير، وأصبح الحفاظ على سلامتهم في كل وقت ذا أولوية قصوى في وجه الخطر المحدق.

تابعت الأم طبخ ما تبقى لديهم من طعام، بينما سرحت بفكرها إلى ولدها تتخيل ماذا يفعل، وبين هذا وذاك، تذكرت زوجها المتوفى منذ فترة قصيرة بينما كان خارج المنزل أثناء غارة جوية. ما زالت تتذكر تلك الحادثة بأدق تفاصيلها. لقد كانت تطهو أيضاً، تماماً كما تفعل الآن، عندما سمعت انفجاراً قوياً. شعرت بذلك الانفجار يأتي من داخل جسدها كأنها هي من افتعلته، فقد شعرت بكل عضلة من جسمها تتقلص، بينما دوت أذناها بالصدى حتى لم تعد قادرة على الوقوف وسقطت على الأرض وهي تغطي أذنيها بكل ما أوتيت من قوة. فاضت عيناها بسيل من الدموع الحارة دون أدنى إدراك منها ودون أي سبب، كأنها تلقت للتو هاجساً متأخراً عن زوجها وهو يختنق تحت وطأة طن من البيتون. عندها، سمعت ذلك الصوت المدوي مجدداً، مفعماً بالحياة، حقيقياً، وكأن عقلها يعيد خلق تلك الحادثة من جديد ويجبرها أن تعيشها مرة أخرى في الحياة الواقعية. يمكن للعقل أن يكون بتلك القدرة، أقنعت نفسها بذلك، لكن دموعها بدأت بالتساقط على نحو أشد من ذي قبل. هنالك شيء مختلف حول هذه الذكرى. لم تتذكر هذه الرائحة الخانقة والمفرطة في الحدة من قبل. فجأة، بدأت بالسعال، ومدت أذرعها طلباً للهواء. إنه الهاجس المشؤوم نفسه، لكن بتفاصيل مختلفة. فقدت توازنها فأمسكت بسرعة بالنافذة المشرعة، ألقت نظرة للخارج، فرأته!

لم يكن “بعيداً” في النهاية.. بضعة أمتار فقط عن النافذة! جسده الصغير ممدد على الأرض المضطربة، مرتعشاً! لقد شعرت به، قريباً من قلبها، يناضلان معاً من أجل الهواء، من أجل فرصة ليكملوا حياة بلا أمل إطلاقاً. انفجرت حينها عيناها بالبكاء الشديد، ليس بفعل الغاز السام هذه المرة. بكت وهي تراقب صدره الصغير يتحرك بسرعة أعلى وأسفل وكأنه يتعرض لتيار كهربائي. حاولت الصراخ، لكنها أخذت شهيقاً

متقطعاً بدلاً من ذلك. ما زالت لديها القدرة على المقاومة. يجب أن تصل إلى ولدها الصغير، لتحتضنه للمرة الأخيرة، ليكونا جسداً واحداً في النهاية كما كانا كذلك من قبل. لم تستطع تخيل تركه يغادر هذه الدنيا وحيداً! حاولت التحرك باتجاه الباب. ألقت بنظرها إليه قبل أن تذهب، وتوقفت حينها عن الحركة. كان صدره هامداً، وعيناه مفتوحتين، تنظران باتجاه النافذة. هو أيضا تاق إلى عناق أخير قبل أن يمضي في دربه من هذا العالم اللعين، حيث لم يعد هنالك مكان للبراءة. بالنظر إلى ولدها الوحيد المرمي على الأرض، ميتاً، سقطت هي الأخرى غير راغبة بالاستمرار في المقاومة بعد الآن، مستسلمة لأي شيء قد حدث لهما وجعلهما يستحقان هذا المصير عديم الرحمة. تمزق قلبها من الحسرة، وماتت تحتضنها بدلاً من ابنها المسموم بالغاز القاتل.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: