الأدب السوري “الجديد”.. كيف تصدره الحرب ويفتح اللجوء أمامه بوابة العالمية

الأدب السوري “الجديد”.. كيف تصدره الحرب ويفتح اللجوء أمامه بوابة العالمية

ياسمين نايف مرعي، إيد بإيد

تترافق موجة اللجوء السوري إلى أوروبا عامة وألمانيا خاصة باهتمام لافت بالأدب السوري، وببروز مواهب أدبية، وشعرية بصورة خاصة، لم يتح لها أن تنال حقها من الفرص في سوريا، وهي اليوم تثبت مع كل نص، ليس الموهبة فحسب، بل القدرة كذلك على فهم الانتقال من المحلي إلى العالمي، وعكس ذلك أصواتاً إنسانية يشكل الأدب قناتها ولغتها.

الشاعرة لينة عطفة، أحد هذه الأصوات، تخصنا بحديث عن تجربتها الشعرية، عبر الحوار الآتي.

  • كيف كانت بداية لينة عطفة في سوريا، وما هي المواقف/ التجارب التي وضعت لينة أمام حقيقة موهبتها الشعرية؟ من حسن حظي أنني ولدت في مدينة محكومة بالشعر وبكثرة الشعراء، وكذلك ضمن عائلة لها اهتمام وعلاقة وثيقة مع الأدب واللغة، خال أبي عبدالكريم الضحاك عرّاب العائلة ومعلّمي الأول كان مديراً للمركز الثقافي في مدينتي سلمية، كانت الكتب تملأ بيتنا ويأتينا الضيوف الكتّاب والأدباء والسياسيون (المعارضون طبعاً) من كلّ مكان. كنت محظوظة بهذا القَدَر، إضافة إلى أنني كما معظم أطفال سلمية الذين كانوا في مثل عمري، تعلمت القراءة والكتابة عند (الشيخة) قُتيلة ثلجة، وهكذا في الخامسة من العمر قرأت القرآن وحفظت جزء عمّ وجزء تبارك، وأعتقد أن هذا كان حاسماً في خلق علاقة قوية وتعلق كبير باللغة العربية وإتقانها. تهيأت لي كل الظروف لأن تكون الكتابة حلمي، إضافة إلى أن بلادي ترزح تحت سلطة القمع والاستبداد. ومع وعيي المبكّر لهذا الأمر تشكّل لدي حافز كبير ومضاعف لأستمر وأكتب، فكانت الكتابة هوية ومت

  • نفّساً وطريقاً للنجاة.. الكتابة تعني لي التحدي، وهي أيضاً طريقة لأجيب على أسئلة كبيرة تحاصر الإنسان منذ صغره أسئلة أبدية تشكل قلقاً مستمراً.. وفي النهاية لولا دعم أسرتي وجيراني وأهل مدينتي لم أكن لأحلم بأن أكون شاعرة، هم أعطوني الحلم ومنحوني ثقتهم، كنت في العاشرة من العمر عندما قرأت الشعر على المنبر للمرة الأولى، ممتنة كل الامتنان لمدينتي سلمية..

  • صدرت لك حتى اليوم مجموعة “على هامش النجاة”، فضلاً عن نصوص متفرقة منشورة في عدد من المواقع العربية والألمانية. كشاعرة شابة، كيف يكون

اتخاذ القرار بالكتابة عن الحرب والوطن؟ لا أعتقد أن الكتابة قرار، لا أحد يستطيع أن يقول قررت أن أكتب ويكتب، الرغبة في الكتابة تأتي أوّلاً، وإن تمّت الكتابة بشكل ميكانيكي، أعتقد أن ما سيُقدم سيكون باهتاً وغير أصيل. فالكتابة مرتبطة بالدرجة الأولى بالرغبة العفوية، طبعاً مع مرور الوقت وتراكم الخبرة يستطيع الكاتب التعرف إلى نفسه جيداً، ليستبطن ذاته ورغباته، وبالتالي يجيد طرق استحضار الكتابة العفوية. هناك الكثير من المواضيع التي لا نستطيع الفرار من الكتابة عنها، كالحب مثلاً، وللأسف الحرب كذلك، والوطن بمفهومه الخام (على هيئة جنة ملونة وفوقها علم يرفرف ويمثل كل فرد بشكل شخصي). الحرب لا يقرر أحد أن يعيشها، والوطن قدر خارج الإرادة، لذا هما يختاران المرء والعكس غير صحيح، الكاتب إنسان يعاني ما يعانيه الآخرون الفرق أن أدواته في التعبير مختلفة وهو يستطيع من خلال نصوصه أن ينتقل من الكتابة في الهم الخاص، إلى الكتابة في الهم العام، ومن هنا يمكن له أن يمثل وينقل صوت كثيرين بما يكتبه، أنا من سوريا ولا أستطيع أن أكون خارج دائرة ما حدث ويحدث، كمثل كل السوريين تلاحقني الكوابيس في النوم واليقظة، الغضب والخيبة والشعور بالعجز… لا أستطيع أن أهرب من كل هذا ولا أستطيع نكرانه، وإذا حضرت الكتابة فإن أول ما يحضر هو مأساة شعبي وانكسار أحلامه في البازار الحربي المفتوح للجميع على حساب الدم السوري والحلم بالحرية والخلاص من الاستبداد.

  • كيف تصفين علاقتك بالتراث الشعري العربي الذي تحيينه في نصوصك على طريقتك الخاصة؟ أنا مغرمة بالشعر العربي القديم، وعندي هوس بقراءة التراث والغوص في تفاصيله، أستمتع بقراءة القصائد ولديَّ شعرائي الذين أستأنس بترحالهم وقوافلهم وعواطفهم وفلسفتهم وأجد أن هذه النصوص فيها من الحداثة ما يعجز عنه شعراء اليوم، فيها الخلود والسحر والبدهيّة العالية والطرافة، وأحزن جداً لأن كثيرين من الناطقين بالعربية فقدوا صلتهم مع هذه النصوص والقدرة على الإحساس بها. مؤسف أيضاً أن الكثير ممن يكتبون الشعر اليوم بعيدون عن تلك النصوص، ذلك أن تاريخنا وتراثنا غنيان جداً وفيهما استعراض واسع ومذهل وغني للحياة، أستغرب كيف يحرم الناس أنفسهم من متعة فريدة كهذه.. أحب تراثنا الشعري ولا أدّعي أبداً أنني أحييه لأنه حيّ أبداً، وأنا لا أشكل إلّا صوتاً خافتاً في سياقه، لكن أستطيع القول إنني أحبه كثيراً، وأنه يلهمني إلى أقصى الحدود..

  • إلى أي قدر تفتح الترجمة المبنية على واقع اللجوء فرصاً أمام الأدب السوري اليوم، وهل تظنين أن هذه المشاريع تساوي بين الموهوب وغيره؟ فتحت ألمانيا ذراعيها للسوريين ليس فقط كلاجئين، بل كبشر قادرين على الفعل، وانعكس ذلك في كثير من الأمور، من بينها موضوع الترجمة. لا أرى أن ارتباط هذه الخطوة باللجوء ينتقص من أهميتها، بالطبع يحقق الكاتب عادة شهرة في لغته الأم، ثم تنفتح أمامه طريق الترجمة إلى اللغات الأخرى، أما نحن فحدث معنا العكس، تمت ترجمة نصوصنا إلى الألمانية قبل أن نحقق انتشاراً واسعاً في البلدان الناطقة بالعربية، لكن لا أرى ضيراً في ذلك. المؤسسات الألمانية المعنية تحاول دفعنا لمواصلة الكتابة ولإيجاد فرص عمل، وذلك مهم جداً، كما أن هذه الترجمات هي فرصة لنطور أنماط كتابتنا، ولنتعامل مع قارئ جديد ونوصل فكرة أو صوتاً إنسانياً، إضافة لفرصة بقاء واستمرار مشروع الترجمة، وهذا سيكون جيداً على المدى البعيد، ولا أعتقد أن ثمة شيئاً قادراً على المساواة بين الموهوب ومعدوم الموهبة. الزمن والقارئ كفيلان بإعطاء قيمة حقيقية للنصوص، وما زال الوقت مبكراً جداً على الحكم على جودة أو عدم جودة ما يقدّم، خصوصاً وأن الظرف العام ليس ظرفاً عادياً.. كما أنَّ هذه الفرص لا تُقدم على أساس كونها مسباراً يقيس ويكتشف الموهبة والجودة، هذه فرص لمساعدتنا على بناء حياة في هذا المجتمع الجديد، وإطلاعنا عليه، ولاستعراض الحياة الأدبيّة في هذا البلد، وأرى في كل ما يقدم من فرص أشياء إيجابية كثيرة، بدأت الناس تتجرأ على العمل والبحث والاكتشاف والإبداع والتعاون وتقبل الآخر وتفهمه، وهذا لم يكن ليكون موجوداً في بلد الموافقات الأمنية وعبادة الفرد الأب القائد.

  • إحدى أهم ميزات نصوصك هي لغتك العالية، كيف ترد لينة عطفة على من يدّعون تكلس العربية، استناداً على تجربتها الشخصية؟ أشكرك على هذا الإطراء اللطيف! بالنسبة لي أحب اللغة الفصحى كثيراً، وأجدها أسهل من اللهجات المحكية، فقواعدها واضحة ومفرداتها دقيقة يفهمها الجميع، وإيقاعها سهل ومتكامل ويقودنا في سياقه.. لا يمكن أن تتكلس لغة يمكن لكلمة واحدة فيها أن تختصر عدّة جمل، لكن الأوضاع التي مر بها العالم العربي من الاستبداد إلى الاستعمار والاحتلال والحروب و… كل ذلك أدى إلى تردي أحوال الناس الناطقين بها، وحتماً إلى ترديها. لكنها لغة مخاتلة وفاحشة وثرية، لغة ساحرة لا تموت أبداً. وأقترح على من يدعون تكلسها أن يقرؤوا أكثر ويعودوا للشعر العربي والتراث، سيستمتعون أولاً، ثم سيجدون مادة غنية للحديث عنها أوسع بكثير من التكلس!

  • هل يطالب الأدباء السوريون بالالتزام اليوم؟ وهل تسهل وفرة المنابر الالتزام أم تميّعه؟

أظن أن كلمة التزام هي كلمة سمجة وثقيلة ظل، ما إن يسمع المرء بها حتى يقرر تجاوزها، خصوصاً إذا جاءت ملازمة للفنون والإبداع. الإبداع عملية قائمة على الحرية، أما الالتزام فقائم على الحدود والشروط، لذا يصعب أن نقرنهما ببعضهما. أن يكتب الإنسان عن قضية ما، لا يعني بالضرورة أن يكون ملتزماً بها، لكن أن يعيش الإنسان واقعاً ما، فذلك يدفعه لأن يعبر عنه بأية طريقة. ينتظر منا الناس أن يقرؤوا عن ألمهم وواقعهم، وأعتقد أننا نحاكي ما يرغبون فيه، لأننا نشاركهم ذات المصيبة، بالتالي نحن ملتزمون لكن بشكل يختلف عن الصيغة الكلاسيكية للالتزام الأدبي بعيداً عن المزاودات واستعراض المهارة في الندب أو التجييش العاطفي. أما بالنسبة لوفرة المنابر؛ أجد ذلك إيجابياً، فالشعر فن مرتبط بالمنبر وبعلاقة النص بشكل مباشر مع الجمهور، والمنابر في بلد حر تختلف كثيراً عنها في بلد مستبد، هنا يكون المنبر حالة حرية مضافة وفرصة ليحظى الكاتب والنص بالنقد، فرصة للكلام والحديث والحوار المفتوح دون الخوف من الرقابة أو الحدود. أما في بلادنا، فالكاتب يقرأ تحت صورة المستبد وتحت يده وبمراقبة مباشرة من عسسه، يحاصرون حياتنا ونصوصنا. بالنسبة لي كل لحظة قراءة في مناخ حر تعني لي الكثير وسعيدة بهذه المنابر لي وللكتّاب الآخرين.

  • هل طوعت الشاعرات السوريات لغتهن في وجه الذكورية على اختلاف وجوهها وتجلياتها؟ وما الذي لم يقلنه بعد؟ نحتاج الكثير من الوقت لنتعلم العيش ضمن مناخ الحرية، وندرب أقلامنا على الكتابة دون خوف. يصعب على الكثيرين الاعتراف بقدرة المرأة على العطاء خارج السرير والإنجاب والأعمال المنزلية، وللأسف يختبئ البعض خلف قناع ثقافي لكنه في العمق يحمل تخلفاً وجهلاً فظيعين. سيمر وقت طويل قبل أن يتم الاعتراف بالحضور القوي للكتابة الشعرية المؤنثة، لا أقصد هنا الفصل، فالكتابة هي الكتابة ولا جنس لها، لكن المرأة تخوض الكثير من الصعوبات لتثبت نفسها إنسانياً، ليس فقط على صعيد الكتابة ولكن في كل مجالات الحياة. والشاعرات لا يحتجن لتطويع اللغة، بل يحتجن إلى الجرأة والاستقلال والثقة بالنفس، وهذا موجود، لكن يحتجن المزيد لاكتشاف مساحات أوسع للكتابة والتعبير دون رقابة الأصدقاء أو الأزواج أو المجتمع، وهذا يحتاج وقتاً بدوره. ثمة الكثير من الأشياء لم تتم الكتابة عنها، فالحياة غنية جداً وغرائبية، والمواضيع والحكايات لا تنضب أبداً، والكل قادر على المحاولة والتجريب والبحث وأنا متفائلة..

  • لقد فتح واقع اللجوء نافذة العالمية أمام الأدب السوري، على ماذا تعمل لينة اليوم في سياق البعد العالمي لحضور نصوصها؟

يمكن لظرف سياسي أو اجتماعي أن يسرّع عملية تداول نص ما ويسهم في انتشاره، لكن الأكيد أن ما يحكم لهذا النص بالاستمرارية هي الجودة الأدبية والفرادة والأصالة، إضافة إلى الحالة الإنسانية التي سيكرّسها. وكلما أجاد الكاتب الانتقال بين الخاص والعام والدمج بينهما، أسهم ذلك برفع قيمة النص. هناك بالطبع أسئلة ما تزال البشرية تبحث عن أجوبة لها، وما زالنا عاجزين أمام الموت والحب والحروب والخوف و… عندما أكتب عن وطني أحاول أن أوسّع مجال الرؤيا لأي قارئ لتلامسه الكلمات، فمأساة السوريين تتقاطع مع مآسي غيرهم والكاتب عليه التقاط نقاط التلاقي والكتابة عنها لإيجاد حلول وأجوبة، أو على الأقل تسلية ومواساة، عندما يفهم الكاتب كل هذه التفاصيل ويمتلك أدواته اللغوية في الكتابة والتخييل، سيتمكن بالتأكيد من كتابة نص إنساني عالمي يلامس أي قارئ أياً كانت لغته أو بلاده..

  • ما الذي ستقوله لينة عطفة فيما ستكتبه في القادم من الدواوين/ النصوص؟ الكتابة بالنسبة لي متعة حقيقية، لكنهاقبل ذلك مشروع، لذا أفكر كثيراً بالذي سأكتبه وأحاول دائماً تطوير نفسي ولغتي وإيجاد مواضيع جديدة. وضمن عملية البحث والتجريب، أعمل كثيراً على النص، لأنه باعتقادي لا يوجد نص خام صالح للنشر ولأنني أحترم نصي وقارئي أنتبه لكل التفاصيل، وقدومي إلى ألمانيا وتعاملي مع كتاب ألمان أثر كثيراً في نظرتي للكتابة وفي المواضيع التي تستفزني لأكتب عنها، لذا النصوص القادمة ستكون في سياق بعيد نوعا ما عن نصوصي السابقة. أكتب الآن عن لوحات الرسام النمساوي غوستاف كليمت، مغرية جداً البراءة في لوحاته، اللون الذهبي والرغبة الخافتة، الموت والحياة، الحب والألم.. مدفوعة بجموح عارم للكتابة عن لوحاته وسأستغل جيداً هذا السياق في نصوصي لأقول كل ما في قلبي ولأكسر كل المخاوف والقيود، وأعتقد أن هذه التجربة ستكون مختلفة، آمل ذلك من كل قلبي وأتمنى أن تستمر هذه الشحنة العاطفية لأتمكن من إنهاء هذا الديوان الذي سيحمل مبدئياً عنوان: “الحب والذّهب”.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: