الأحزاب اليمينية.. قوارض الآزمات

الأحزاب اليمينية.. قوارض الآزمات

 

جهاد الرحيم، أيد بإيد

كما القوارض والأوبئة تنشط في البرك والمياه الآسنة والمستنقعات، فإن الأحزاب اليمينية المتطرفة تنشط في الأزمات والكوارث والحروب ويصبح سوقها رائجا، وتستحيل إلى مخلص شعبي، عبر دغدغة مشاعر المواطنين، بشعارات تدعي من خلالها حمايتهم وحماية ارثهم وموروثهم الشعبي من الأفول والاندثار، مستغلة في دعايتها بعض الأخطاء التي يقع بها الطرف الآخر، وتعمل ماكينتها الاعلامية على نفخها بهواء تلفيقي تهويمي، وتعطيها حجما أكبر من حجمها، فتكسب من خلال التلفيقات والفبركات الصفراء التي تصدرها للرأي العام، تأييدا شعبيا، ما كانت لتستحقه أو تناله في الظروف الاعتيادية.

و في هذا المقام يبرز حزب البديل الألماني الشعبوي الذي تنامى عدد مريديه في السنوات الخمس الأخيرة، مستغلا أزمة المهاجرين وملف اللاجئين، رافعا شعارات من أهمهما تخويف وترهيب المجتمع الألماني من الاسلام، وتأثيره على الهوية الثقافية الالمانية.

ويطرح حزب البديل الشعبوي موضوع التعامل مع التاريخ الألماني بشكل موجز في مشروع البرنامج. وذلك تحت عنوان “الثقافة الرائدة الألمانية بدلا من “التعددية الثقافية”. وفي هذا الصدد يقول حزب البديل: “إن الحزب لن يسمح بفقدان ألمانيا لوجهها الثقافي بسبب سوء فهم معنى التسامح.” ويضيف “ينبغي ألا يتم حصر الثقافة الألمانية في التركيز أحادي الجانب على ذكرى سنوات زمن النازية.”

وتحول نهج الحزب منذ تأسيسه في ربيع 2013 الذي كان معارضا لليورو، إلى معاداة اللاجئين في خريف 2015 في أوج تدفق طالبي اللجوء إلى ألمانيا ثم إلى معاداة الإسلام منذ إغلاق الحدود. ووصف مويتن حزبه بأنه مزيج من “التيار المحافظ المعاصر” و”الليبرالية” و”الوطنية السليمة التي هي القاسم المشترك لكافة المواطنين الصالحين”.

ودعا زعيم الجناح الليبرالي للحزب يورغ مويتن، في مؤتمرعقده الحزب مؤخرا إلى رفض “ألمانيا عام 1968 التي تأثرت باليسار” وإعلاء “الأوجه الإيجابية في تاريخ ألمانيا ومؤسسي الهوية الألمانية” معربا عن الأسف لكون الذاكرة الرسمية للبلاد “تقتصر” على ماضيها النازي.

ولا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة أن هذا الحزب الشعبوي، هو امتداد للحزب النازي اليميني المتطرف، الذي نشأ في ألمانيا بين أعوام 1920 و1945، وتزعم هذا الحزب “آدولف هتلر”، الذي قام بإنشاء نظام دكتاتوري مطلق سمي بدولة الزعيم والمملكة الثالثة،

والتي أثارت الحرب العالمية الثانية وارتكبت المحرقة (الهولوكاوست) بحق اليهود والغجر والمعاقين.

ومايثبت امتداد حزب البديل لحقبة ونهج النازيين- وإن حاول الشعبويون التملص والمواربة، من الانتقادات- جملة من التصرفات والتوجهات، والأقوال التي تصدر عن قاداته، في مناسبات كثيرة، منها ما يبرز في هذا المقام تصريح رئيس حزب البديل الألماني ألكسندر جاولاند خلال المؤتمر الاتحادي لشباب حزبه البديل والمسمى “البديل الشاب” في مدينة زيباخ بولاية تورينغن الألمانية بمسؤولية الألمان عن الجرائم النازية، إلا أنه صرح قائلا: “إن هتلر والنازية ليسا إلا زقة طير في تاريخ ألمانيا الناجح على مدار ألف عام”.

ومنها أيضا الزيارة التي أجراها أعضاء وفد حزب “البديل” إلى دمشق، برئاسة كريستيان بليكس النائب البرلماني، الذي التقى أنذاك بالمفتي حسون، واصفا اياه، بأنه أحد أهم “دعاة التسامح”، متناسيا أن المفتي حسون هو ذاته، الذي توعد أوروبا سابقا بإرسال إنتحاريين إليها، لزعزعة أمنها واستقرارها. فكيف يستوي أن يجتمع المتنافران، لولا أنهما اجتمعا على مستنقع الخراب والدمار.

ومن المفيد تذكير مريدي ومناصري حزب البديل، بالتجارب التاريخية، التي حملها أسلافهم، ومن يسير على نهجهم وهواهم، وكيف أن ارادة الشعوب حطمت كل بيادق العصيان ضد الانسانية، وما وصل إليه كبيرهم” النازي” الذي علمهم النازية والعنصرية، من مستوى مذل ومنحط من الاستهجان والاستنكار من قبل العالم بأسره، وأولهم الشعب الالماني الأصيل، الذي ناضل وضحى وبذل الغالي والنفيس حتى حقق الانتصا العظيم على الحقبة النازية.

كما أن التجارب التاريخية حملت لنا أيضا نماذجا أخرى من الممارسات العنصرية، وقد ولى أتباعها وأصحابها الدبر، ولم يبق إلا من حمل رايات الحرية والمحبة والسلام ، ومنها ما حدث في أميركا، المعروفة ببلد الحريات، وكان أشهرها حركة العزل العنصري للأفارقة في عام 1890، وتطورت هذه الحركة إلى إصدار قانون “جيم كرو” للحرمان والفصل العنصري للأفارقة، والذي امتثل له الأفارقة خوفا من أن يقعوا ضحية للعنف العرقي.

وعودة إلى أوروبا، وإلى أفكار الحزب الوطني الفاشي في ايطاليا، الذي نشأ خلال الفترة ما بين أعوام 1922 و1943 على يد” بينيتو موسوليني”؛ فقد اعتمد على الدكتاتورية ومعاداة الديمقراطية، وكان يرى أن الأمم الأقوى لها الحق في

مد نفوذها بإزاحة الأمم الأضعف. واعتمد الحزب أيضا على غزو واضطهاد الأقليات، وإلغاء الحريات الفردية.

والسؤال الأهم، الواجب على أتباع معادة الانسانية، طرحه على أنفسهم، هو: أين هم هؤلاء؟ وكيف يذكرهم التاريخ؟ ألم يصبحوا وصمة عار ونقطة سوداء في جبين كل من يحمل فكرهم ويتباهى بممارساتهم العدائية؟ ألم يضحوا نتيجة نضال الشعوب أثرا بعد عين؟ ألم تصبح مجرد ذكراهم بايجابية جريمة يعاقب عليها القانون؟

واذا كان كل ذلك، متاحا أمام النازيين، وكان التاريخ وتجاربه كتابا مفتوحا، بالنسبة لهم، فألا يتوجب عليهم الاتعاظ والاعتبار منه، وأنهم مهما تطاولوا وتمددوا، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، سيأتي يوما، ويأفلون كما أفل من سبقهم.

جهاد الرحيم

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: