احمد مواس، برلين

 

 

توافدت أعداد غفيرة من اللاجئين بداية عام 2015نحو ألمانيا قدرت بحوالي 890ألف لاجئ حسب ما أوضحه وزير الداخلية الألماني دي ميزير مؤخراً في مؤتمر صحفي. وكما هو متعارف عليه، فإن ميثاق الامم المتحدة الذي اعتمد في 28تموز/ يونيو عام 1951
بشأن اللاجئين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في مادته الثانية:
«علي كل لاجئ إزاء البلد الذي يوجد فيه واجبات تفرض عليه، أن ينصاع لقوانينه وأنظمته، وأن يتقيد بالتدابير المتخذة فيه للمحافظة على النظام العام»
وبهذا توجب على اللاجئ الانخراط في المجتمع المضيف ليعرف ماله وما عليه، ويتعرف على ثقافة البلد المضيف، فيحترم عاداته وتقاليده، عدا عناتباعه القوانين الواجبة على الجميع وهذا المفهومباختصار هو مفهوم الاندماج على الصعيد العام.
وكل دولة تتفرد بعدد من قوانين الاندماج تمليها على طالبي اللجوء في حال قوبل طلب لجوئهم بالإيجاب.

والاتحاد الأوربي بشكل عام يلتزم باتفاقياتالامم المتحدة في هذا الخصوص، وتعمل الدول الأعضاء فيه على استقبال اللاجئين على أراضيها بموجب اتفاقية دبلن، بالتالي تتبع أغلب دول الاتحاد الأوربي سياسة الاندماج للاجئين على أراضيها وتحاول أن تجعل من اللاجئ عنصراً أكثر فعالية وألا تعزله عنالمجتمع المضيف له بالوسائل سابقة الذكر..
ضمن هذا السياق، تعمدت كثير من دول الاتحاد الأوروبي طرح الكثير من مشاريع الاندماج لتعزيز سياساتها نحو الانفتاح على المجتمعات الأخرى و الثقافات المهاجرة إليها، والهدف العام هو حصول هذا التفاهم على الصعيد الاجتماعي والثقافي والقانوني.
فإذا ما تناولنا مشاريع العاصمة الألمانية برلين،والتي قدرت قيمتها بنحو 2.820مليار يورو لعام 2017 ، نجد في التفاصيل أن الميزانية السنوية لعام 2017 صادرة عن حكومة ألمانية الاتحادية التي رصدتهالتسريع عملية دمج اللاجئين في سوق العمل، إذ
تم تخصيص نحو 610مليون يورو لدورات الاندماج.إضافة إلى ما يزيد عن 1.5مليار يورو لدمج اللاجئين في سوق العمل، و 410مليون يورو لإجادة اللغة الالمانية المرتبطة بالمهن، و 300مليون يورو لشؤون العمل في تدابير تتعلق باندماج اللاجئين.
وقد شاهدنا وتعايشنا مع مشاريع الاندماج البرلينية التي اتخذت أحياناً طابع الفن في مختلف نواحيه (العزف والغناء والرقص والأمسيات الثقافية والفنية والاحتفالات والمهرجانات).. التي أقيمت تحت اسم اللاجئين في أكثر من مناسبة أو نشاط. تصدر هذا
الاسم الذي أصبح نفسه ثقيلاً على مسامع اللاجئين أنفسهم وباتوا يتهربون من أي نشاط يقام حاملاً تسمية اللاجئين في مضمونه.
لكن لماذا وما الذي حدث؟
ألم تخرج فئات كثيرة من المجتمع الألماني على اختلاف شرائحها في عام 2015ترحب باللاجئين وترفع شعارات Welcome Refugees؟ ألم تقدم كثير من الأسر أماكن إقامة لبعض اللاجئين مع عوائلهم؟ ألم تسارع الحكومة الألمانية بإعطاء الإقامات على
وجه السرعة لكثير من القادمين الجدد متحدية إجراءات الروتين والبيروقراطية التي أوقعتهم في كثير من المشاكل لاحقاً؟ ألم يصنع الإعلام من اللاجئ ذلك الملاك الهابط من السماء مع صور كثيرة لعيون حزينة وبريئة؟ ألم يكن وجه ألمانيا عموماً، ووجه برلين خصوصاً، يحظى بتلك الإشراقة السحرية الناتجة عن حضنها لأعداد كبيرة من اللاجئين وتجلت مقومات النظام الاجتماعي في أسمى صوره ومعانيه غاسلة بذلك عاراً امتد لعقود طويلة من جلد الذات والتأنيب؟ نعود ونتسآل: ما الذي حدث؟ من خلال مسح وجهات نظر عدد من الاجئين يقول محمد.أ: “باعتقادي أن كثيرين مثلي من اللاجئين ما عادوا يعولون على هكذا مشاريع، خصوصاً مع تراجع سياسات الترحيب باللاجئ الذي أصبح بنظر كثير من الألمان عبئاً على الحكومة وعبئاً على خزينة الدولة
التي تقتطع من الضرائب لسد حاجات اللاجئين، فيما الأولى بها أن تذهب إلى الإنفاق العام.”يقول أحمد. م بتعبير أدق: “إن مشاريع الاندماج كانت نعمة على بعض المستفيدين من الألمان أنفسهم أو من المهاجرين القدماء ودرت عليهم أموالاً بسبب التمويل الذي كان يأتي بدعم من الحكومة ومجلس الشيوخ في برلين، في حين لا تعود على اللاجئين أنفسهم بالغاية المرجوة، وإنما يتم هدر وقتهم على حساب منافع الآخرين في الوقت الذي تطالبهم فيه الحكومة الألمانية بإنجاز كثير من الالتزامات
خلال فترة قصيرة فيما لو كانوا مسجلين لدى مركز العمل. وبرنامج الاندماج الحقيقي بالنسبة للحكومة الألمانية هو اتباع دورات اللغة الألمانية حتى المستوى B1على الأقل. ثم أن يلتحق اللاجئ بما يسمى التدريب المهني (الآوسبيلدونغ أو البراكتيكوم) والهدف هو إيجاد فرصة عمل حقيقية في أقرب وقت تضمن لصاحبها دفع كافة مستلزماته المعيشية بالإضافة إلى الضرائب المترتبة عليه، وينهي بذلك اعتماده على المساعدات الاجتماعية ويتحول من مجرد كونه لاجئاً إلى مهاجر بقصد العمل.
ولكن كيف كانت حال مشاريع الاندماج البرلينية الترفيهية وورش العمل المنبثقة عنها؟ في كثير من الاستبيانات التي جرت والتي يتم العمل عليها مع جهات مسؤولة، تبين أن أغلب تلك المشاريع كانت غير مهنية ولم تحقق حتى الحد الإدنى المراد من تطبيقها، لهذا تسعى جهات كثيرة إلى عمليات إعادة تأهيل، تطبق على الذين كانوا قائمين عليها. فقد كان ينظر إلى اللاجئ على أنه المسكين القادم من الشرق باتجاه الغرب، والذي لا يعلم من أساليب التكنولوجيا أو التمدن شيئاً، وهكذا كانت نتائج تلك المشاريع لا تتمتع بالكفاءة ولا الجودة الفنية لمخرجات مشروع فني يقام على أرض العاصمة الألمانية (في حين نعلم تماماً كم تهتم ألمانيا بالجودة على صعيد منتجاتها فما بالك بالبشر.)! تلك المشاريع كان يديرها أشخاص غير مهنيين، تعاملوا مع شرائح خاطئة أساساً من اللاجئين ولم يتم سبر العينات جيداً، بل كان العمل عشوائياً على غير عادة الألمان، فظهرت هذه المشاريع ركيكة وغير مفيدة في معظم الأحيان، وأعطت صورة خاطئة عن العمل الجاد والمتقن في ألمانيا، وأخذ اللاجئ الصورة المغلوطة
عن ألمانيا بأن هدف وجوده في كل هذه المشاريع هو تمضية الوقت والتسلية والتعارف، وابتعد كل البعد عن الأهداف الحقيقية في التأهيل والاندماج لدخول سوق العمل. في السنتين السابقتين تم التعامل مع اللاجئ على مبدأ أنت لاجئ إذن انت تستحق التعاطف والتعامل بطريقة خاصة على مبدأ محو الأمية والحكم أنك مسبقاً سترتكب العديد من الأخطاء، لكن لا داعي للقلق، سنغفر لك بسبب نظرة الألمان الشمولية بأن معظم اللاجئين غير مؤهلين علمياً، هذا عدا عن عدم قدرتهم على إتقان والتعامل مع اللغة الألمانية.
لكن بعد ذلك ومع مرور الوقت بدأت تزداد مطالبة الألمان، ومن غير سابق إنذار، بمستوى عال في اللغة وإيجاد عمل في أقرب وقت ممكن، وإلا فان الجوب سنتر لكم بالمرصاد، هذا عدا عن القوانين الترهيبية والمتضاربة التي أثقلت عاهل اللاجئ
وأفقدته التركيز.
إذا تبدد وهم الاستقبال المضيف إلى سراب وأصبح سقف المطالبات مرتفعاً، وعلى اللاجئ أن يواجه حقيقة سوق العمل التي لاترحم في ظروف تتساوى فرصه فيها مع الألماني ذي الجاهزية الكاملة أو الأوربي المهاجر المتمرس والمخضرم في السوق الأوربية، وهنا حدثت الصدمة فلم تعد تلك الابتسامة الساذجة المفتعلة في كثير من الأحيان تعلو وجوه الألمان في وجه الغريب (الآوسلندر،) ولم تعد” Welcome Refugees” سائدة بل هناك الصدمة الثقافية وصدمة قوانين العمل وصدمة اللغة العملية في المجتمع وليس لغة الألف باء سهلة الفهم في مدراس تعلم اللغة، وهنا الفارق الحقيقي بين تلك الظروف مجتمعة وظروف ورشات ومشاريع العمل الترفيهية التي أغرقت اللاجئ في وهم كذب تلاقي الثقافات، فهنا لا تسود إلا لغة واحدة وثقافة واحدة وقانون واحد هو كلياً في ألمانيا، وعلى اللاجئ أن يتعامل مع لعنة مشاريع الاندماج الفاشلة سابقة الذكر في الدخول من بوابة برلين الألمانية بكل ما أوتي من عزم.