الشباب السوري وتحولات القيم بين المنبت والمنفى

الشباب السوري وتحولات القيم بين المنبت والمنفى

كينورا توما

عند بحثك عن معاني القيم، التقاليد والمبادئ… ستواجه كماً هائلاً من الأفكار الفلسفية التي تحتاج بدورها إلى تفسير، بعيداً عن متاهات المصطلحات والمفاهيم والاختلافات المنهجيَّة والفكريَّة، القيم هي خلاصات فكريَّة ومعايير تربويَّة ومؤشِّرات أخلاقيَّة تتكون لدى إحدى المجتمعات نتيجة إيمانهم بسلوك وأفكار معينة تلزم بقية أفراد المجتمع بالسير عليها، هذه القيم لا تتشكل بين ليلة وضحاها، فهي بحاجة إلى أعوام لتترسخ في سلوك الأفراد وثقافتهم، ولكي تتغير أو يتم التخلي عنها، وذلك ليس بالأمر السهل كما يعتقد البعض، فهناك الكثير من الأشخاص الذين يشعرون بأنهم تغيروا أو تخلوا عن قيمة معينة نشؤوا أو تربوا عليها ضمن الجماعة التي ينتمون إليها، لكنهم ما إن يتعرضون لموقف معين، يتصرفون باللاشعور وفق ما تمليه عليهم مبادئهم التي اكتسبوها منذ.الطفولة

أهمية وتأثير القيم تتجاوز القدر الذي ندركه، فأي شيء نقوم به نستطيع تأويله إلى القيم التي تحدد معالم الأيديولوجيا أو الفلسفة العامة للمجتمع، فالقيم السائدة في المجتمع الرأسمالي تختلف عن مثيلاتها في المجتمع الشيوعي، والقيم المتداولة في المجتمع الديني تختلف عنها في العلماني لأنها انعكاس للطريقة التي يفكر بها أبناء المجتمع أو الثقافة.المشتركة الواحدة والتي يقل حولها الجدل داخل الجماعة

إن تحديد ما يعدُّ مبادئ وقيماً أو ما يعتبر عاداتٍ وأعرافاً وتقاليد يخضع لاعتبارات الممارسات السلوكية، ومن هنا، فتعريف أيٍّ منها إنَّما يخضع لاشتراطات وضوابط المجتمع والبيئة والزمان والثقافة العامَّة والحريَّة الفكريَّة المكوِّنة لها ابتداءً والمهذِّبة لها تطبيقاً؛ فقد تتحوَّل قيمٌ ومبادئ لمجرد انفعالات أو شعارات لا أكثر، فيما قد ترتفع عاداتٌ وأعرافٌ لمستوى المبادئ والقيم بحسب تغيرات تلك الاشتراطات والضوابط وحركة الزمن بين الأجيال والمجموعات، لكن كل هذه المصطلحات هي أنهار تصب في محيط”.كبير هو “الحياة

حياتنا السورية التي نفتقدها هنا في أوروبا، بمعنى آخر عاداتنا، تقاليدنا، قيمنا… بغض النظر عمن يراها سلبية أو إيجابية، هي بدون شك تكوّن ماضينا كسوريين لاجئين في أوروبا التي أعطتنا بعضاً من الحرية الاجتماعية والفكرية والفرصة للتعبير عن أنفسنا بشكل مختلف، ولربما نقل عملية التفكير التي كانت تحدث بين أنفسنا وعقلنا الباطن إلى الملأ، لا سيما أن نسبة كبيرة من اللاجئين أتوا إلى أوروبا بمفردهم بدون ذويهم مما.ساعدهم على معرفة ذواتهم بشكل أفضل وأعمق بعيداً عن سياسة القطيع والفكر الواحد

توجهت بسؤال لعدد من الطلبة السوريين عن القيم التي تخلوا عنها وعن قيم اكتسبوها بعد مرور أعوام عدة على أحداث ومشاهدات لهم في ألمانيا، واخترت الشريحة الطلابية.لكونها الأكثر احتكاكاً بالمجتمع الألماني والأجنبي ككل

لم أتقبل كل شيء في ألمانيا كأنه مثالي” كانت إجابة (غولان)، طالبة طب الأسنان” بجامعة ماربورغ، فهي ترى أن الكثير من عاداتنا السورية جيدة ومفهوم الحرية الذي اكتسبته من تربيتها كان صحيحاً على حد قولها، فلم تجد أي اختلاف يذكر بين ممارستها للحرية الشخصية “كفتاة” هنا في ألمانيا وسوريا خاصة أن والديها كانا وما زالا يمنحانها الحرية المطلقة، أما القيم الاجتماعية فقد تغيرت بشكل كبير، فهي ترى أن المسؤولية الملقاة على عاتق الفتاة أصبحت أكبر بكثير، ونطاق العمل هنا أوسع من سوريا الذي كان يحصر الفتاة في مهن معينة، أما الآن فترى الفتيات السوريات يعملن في المقاهي.كنادلات وغير ذلك من المهن

وفيما يخص المظهر الخارجي قالت: “كانت الأناقة شيئاً سلبياً في سوريا. عندما كنت أخرج وأنا مرتبة كان الذنب يؤرقني لأن نظرات العامة وخاصة في بعض الأماكن من مدينتي كانت توحي لي بأني بالغت في إظهار أناقتي، لا أستطيع أن أقارن بين حالتي ،النفسية عندما أسير في أحد شوارع ألمانيا وبين سوريا، أنا هنا بكامل أناقتي كما أرغب”.أحب نفسي، أسير بثقة بدون مضايقات تذكر فقط لكوني فتاة

أما سارة، طالبة الصيدلة في جامعة فرانكفورت، فترى أن “الإمكانيات المادية والترفيهية ومستوى المعيشة بشكل عام في ألمانيا أتاحت للسوريين، وخاصة الشباب ممارسة بعض الهوايات كالسباحة والرياضة والرقص وغيرها، وأن شبكة الإنترنت بدورها جعلت العالم كما يسميه البعض قرية صغيرة كالتي كنا نسمع عنها في سوريا دون أن ننتمي إليها، فأنا كنت أعيش في منطقة حدودية في سوريا كانت الإنترنت فيها .مقطوعة طيلة فترة الأزمة. تمكنت بفضل الإنترنت أن أتعلم اللغة الألمانية والإنجليزية ما أقصده بشكل عام أنني أصبحت أكثر معرفة مما كنت عليه في سوريا، وفيما يخص المعرفة فهناك التعليم المهني هنا للأشخاص الذين لم يستطيعوا الحصول على شهاداتهم الثانوية، فنرى أن مصففة الشعر أو النادل وغيرهم من أصحاب المهن أصبحوا مجبرين”.على التعلم واكتساب المهنة بشكل مدروس وليس كما في سوريا

وعبرت سارة عن أكثر قيمة إيجابية اكتسبتها هنا من وجهة نظرها، ألا وهي تنظيم الوقت، فهي تدون مواعيدها والأعمال التي يجب أن تنجزها، وتضيف هنا إن وقتي أصبح ممتلئاً بالكامل، احترام الوقت قيمة مثلى وعليا في ألمانيا أحاول إدراكها قدر الإمكان، وهي مفتاح النجاح بكل ما تعنيه الكلمة من معنى”، وفي سؤالي عن أكثر عادة إيجابية كانت محببة إلى قلبها وتخلت عنها، أجابت أن “زيارة الأقارب والسهرات

العائلية هي أكثر ما أفتقده بسبب ضغط الحياة والدراسة من جهة وتلاشي الروابط.”العائلية من جهة اخرى

أما في جوابها عن أكثر قيمة إيجابية اكتسبتها فكانت “تقبل الآخر بأفكاره وعاداته ودياناته المختلفة، فمجيئي إلى المانيا أتاح لي فرصة اكتشاف ذاتي قبل الآخر وهذا ،الشيء كنا نفتقده في سوريا، فنحن نشبه الجماعة التي ننتمي إليها دينياً وساسياً وقومياً ،لم تمنح لنا الحرية الكاملة بالتعرف على أشخاص من خارج بيئتنا أو حتى نطاق الحي بالطبع هذه القيود كانت مفروضة على المرأة أكثر بكثير من الرجال لكن الوضع هنا”.مختلف والفضاء مفتوح

ومن هذه الأفكار الجديدة التي اكتسبتها أن ثياب المرأة ليست معياراً أخلاقياً لتقييمها ولا شيء يقيمها هنا سوى تصرفاتها وتعاملها مع الآخر، ثقافتها والكثير من الأمور الداخلية الصادقة وغير المزيفة، فالمرأة هنا ليست بحاجة أن ترضي أحداً، ليس عليها إلا أن.”تكون ذاتها، وهو الشي الذي أريد أن أكونه (أنا)

لطالما كانت القيم والمبادئ التي يحملها ويتبناها الفرد مؤشراً على نضجه وإدراكه للبيئة المحيطة، فهو يبدأ بطرح التساؤلات ليبحث عن الإجابات التي تقنعه، وبهذه الطريقة يتبنى القيمة تلك من وجهة نظر الفلسفة بينما وجهة النظر العربية مختلفة تماماً. كثيراً ما تساءلت عن وجهة النظر أو السلوك تجاه أي قضية كانت تواجه مجتمعي المحيط في سوريا، لكنني لم أكن أحصل على جواب مقنع، والتبرير كان دائماً في مضمار العادات والتقاليد. وجهة نظري جعلت أحمد طالب الهندسة في سنته الثالثة بجامعة كاسل يفكر عميقاً. وصل أحمد إلى ألمانيا في عمر الثامنة عشرة، ساعده ذلك على اكتساب أكثر قيمة إيجابية برأيه، ألا وهي الإدارة وحسن تنظيم الأمور وطريقة التفكير والتخطيط المسبق وعدم ترك الأمور “للتيسير والسبحانية” كما يقول. وهو يعتبر نفسه محظوظاً كونه أتى في سن صغيرة استطاع فيه أن يتشرب العادات والأفكار بمرونة وسرعة أكبر، لكن كفة الميزان لديه تميل إلى الإيمان بأن القيم الأوروبية لم تصل حد الكمال الذي وصلت إليه الحضارة العربية وخاصة ما يتعلق منها بالمرأة قائلاً “المساواة هنا بين الرجل والمرأة لا تأخذ الشكل المعهود الذي تربيت عليه أو الذي كنت أتخيله كل شيء كان يدور في مخيلتي قبل سفري إلى هنا أن ألمانيا هي البلد الذي لا يقع فيه خطأ، يمشي كعقارب الساعة لكن القوانين أو ربما العادات منحت حرية معينة للمرأة أو الرجل تدفعهما إلى التصرف بطريقة لا استطيع تقبلها، أحترمها لكنني لا أجدها صحية خاصة السلوكيات غير المبررة في الشوارع العامة، أيضا أرى أن المساواة ألقت على عاتق المرأة مسؤوليات كثيرة جعلها تفقد القليل من طبيعتها الأنثوية”، وفي سؤالي له عن قيمة تخلى عنها، كان الرد بأن الحكم المسبق على أشخاص من شكلهم الخارجي وعدم التدخل بشؤون الغير وهدر الوقت في الحديث عن تفاصيل معينة لأشخاص لا تهمني، لكن للأسف لا يزال الكثير من السوريين يتمسكون بهذه العادة في ألمانيا، لا وبل ظهر

المجتمع السوري على حقيقته عكس ما كنا نعتقد، فالأقلية الساحقة هي من الواعيين المثقفين الذين تستطيع أن تقيم معهم علاقات ويستطيعون أن يتقبلوك كما أنت بدون.التدخل في شؤونك

السؤال الذي يجب أن يطرح في نهاية المقال: لماذا يخشى السوريين دائماً الاختلاف مهما كان، للأسوأ أم الأفضل؟ لماذا يجب أن نشبه بعضنا بالرغم من كوننا مختلفين في كل شي، أليس الاختلاف شيئاً طبيعياً؟ ألم تفسح أوروبا المجال لتحل القيم الفلسفية والمعرفية مكان القيم البالية والمعتقدات التي دمرت البلاد، الفلسفة تقول: لتغير قيمة لديك يجب أن تدرك المشكلة التي تتسببها القيمة التي تتبناها أولاً وهذا يقودني للقول إننا لم …ندرك المشكلة بعد

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: