متحف طبوغرافيا الرعب…..شهادة حيّة على زمن الديكتاتورية

متحف طبوغرافيا الرعب…..شهادة حيّة على زمن الديكتاتورية

إيد بإيد-محمد شعيب

 

أعلنت الجماهير المحتشدة على ضفتي جدار برلين، صباح التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٨٩، قرارها بوقف الحرب، فلم تعد المدينة المقسمة لأكثر من أربعين عاماً ساحةً لاستعراض مقدرات المُعسكرين (الاشتراكي/الرأسمالي) في معاركهما الاستخبارية، وبذلك طويت صفحة الحرب الباردة.

الآن وبعد 28 عاماً من الوحدة الألمانية أخذت مدينة برلين بالتعافي، حيث عملت على تعمير المناطق الحدودية (سابقاً)، والحفاظ على ذاكرة المدينة القاسية بعد دمار أجزاء واسعة منها خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب ما عايشته من قسوة وجبروت النظام الاشتراكي في ألمانيا الشرقية، لتغدو أية جولة في أنحاء برلين أقرب ما تكون إلى درس في تاريخ أوروبا، حيث تكثر المتاحف هنا وهناك، لتشرح للزائر شكل الحياة والمعاناة تحت وطأة الأنظمة التي مرت عليها.

في عام ٢٠١٠ وبمناسبة الذكرى الـ 65 لانتهاء الحرب العالمية الثانية، تم تدشين متحف طبوغرافيا الرعب، الواقع بالقرب من نقطة تفتيش الجندي شارلي، والذي عبّر عنه يومها، الحاخام والمؤرخ اندلاياس ناشاما مدير المتحف الجديد بقوله: “نريد أن يكون التاريخ مصوراً.”.

 

تاريخ المكان:

تم اختيار الموقع على أنقاض مبنى الـ Gestapo (المخابرات النازية) والـ Shutztaffel (الشرطة السرية)، حيث شهد هذا المبنى اعتقال ما لا يقل عن 15 ألف شخص من أعداء هتلر بين الأعوام (1933-1945)، ليتعرض المبنى للدمار على مرحلتين، الأولى إثر القصف العنيف على المدينة خلال الحرب، والثانية بعد انتهائها حيث تم إزالة أنقاضه بشكل كامل من قبل القوات السوفييتية، ليبقى طوال فترة التقسيم عبارة عن أرضٍ خالية إلا من بعض جنود الحراسة على طرفي الحدود، حيث شكّل الطرف الشمالي من البناء جزءاً من جدار برلين.

بعد عامين من الوحدة، توجهت الأنظار نحو هذا الموقع من جديد، وذلك لما يحمله من رمزية لفترة كانت تصنف فيها العاصمة الألمانية، بوصفها عاصمة محور الشر، ليتم اختيار المعماري السويسري بيتر زومثور، والذي بدأ بالفعل بالبناء، ليتوقف لاحقاً نتيجة مشكلاتٍ مالية استمرت حتى عام 2004، حيث تمت إزالة أعمال زومثور وتسليمه للمصممين ارسولو فيلمس وهاينز هالمان، وذلك إثر فوزهما بمسابقة لتصميم المتحف، وتم إنهاء العمل في 6 أيار/مايو 2010.

 

المتحف:

ينقسم المتحف لقسم عرض داخلي وآخر خارجي، حيث يعرض القسم الخارجي ما تم استخراجه من باطن الأرض من مهاجع، في حين يجد الزائر في الطرف الجنوبي الشرقي من باحة المتحف أحدى الزنازين المرعبة تحت الأرض، وذلك من خلال شرفة تطل عليها.

كما تمت المحافظة على بقايا جدار برلين المارة أساساً في الطرف الشمالي، لتكون إضافة لما تمثله من توثيق الحقبة النازية، شاهدةً على فترة التقسيم، ولكن أكثر ما يميز دراسة موقع المشروع هو استخدام الحصى الرمادية الجامدة عوضاً عن المساحات الخضراء المعتمدة في دراسة المواقع عادة، لتشكل مع المبنى الإسمنتي الرمادي اللون أيضاً، نسيجاً مصمتاً يمكن ملاحظته بسهولة بما يشكله من تباينٍ مع حدائق برلين الخضراء المنتشرة على خريطتها.

أما في القسم الداخلي للمتحف، وما أن يصل الزائر إلى المكعب الخرساني، حتى يبدأ بمعاصرة خطٍ زمني يوثق نشأة وممارسات الغستابو طوال فترة نشاطه، فيعتمد المتحف على أساليب حديثة في العرض، حيث تطغى المؤثرات السمعية والبصرية على الأساليب الكلاسيكية، كما يمكن للزائر أن يستعيد كافة جلسات محاكمة الغستابو في نورمبيرغ التي تمت إبان انتهاء الحرب بشكلٍ كامل.

أما أكثر ما يلفت الانتباه فهو عرض مجموعةٍ من الصور التي تم التقاطها للمعتقلين من قبل عناصر الغستابو، عشرات الوجوه المتعبة وهي تحمل أرقاماً كان من شأنها أن تزهق أرواحهم وترهق أجسادهم يوماً ما حيث نقف اليوم.

المميز في المتحف، هو ما يوفره من جولات مجانية تكون أشبه بمحاضرات عن تاريخ المخابرات والديكتاتورية، ليجوب الدليل بالزوار من صورة إلى أخرى، ويكشف التقارير التي قدمها المخبرون.

في النهاية ربما أكثر ما يثير الزائر القادم من بلادٍ ما زالت السجون قائمةً فيها، وهي تمارس أشكال القمع والتعذيب التي كانت سائدة في هذا المكان، ما تطلقه هذه الأفكار من تخيلاتٍ تدخل به في طبوغرافيا المتحف، حول ما حدث هنا، وما يحدث اليوم في بلاده، ليطرح في نفسه السؤال ما إذا كان المستقبل هناك سيشبه يوماً الحاضر هنا، و ما إذا كانت ستتاح له الفرصة يوماً ليحلّ ضيفاً على متاحف طبوغرافيا الرعب العربية.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: