أوراق على مكاتب السياسيين

أوراق على مكاتب السياسيين

منيار بو عساف

لم تخلو وسائل الإعلام منذ سنوات وحتى يومنا هذا بكل أشكالها المطبوعة والمرئية والإلكترونية والمسموعة من خبر يومي عن اللاجئين، وذلك باعتبارهم المادة الدسمة في مختلف أنحاء العالم، لكونها تمس المشاعر الإنسانية.

ولكن هل قضية اللاجئين لا تزال حتى اللحظة بنفس التأثير؟

إن ما أفرزته المرحلة المنصرمة إنما يشير إلى أن فكرة الإنسانية أصبحت مقيدة بتقاطع المصالح، فبين ليلة وضحاها ينقلب المؤيدون إلى معارضين وتزداد المسألة تعقيداً، وتصبح العبارات الرنانة مجرد حبرٍ على ورق، وتغدو حياة الناس المتضررين عبارة عن أوراق تتطاير في أروقة المباني الحكومية دون أن تجد أحداً يلملمها، ويعيد صياغتها بما يخدم فكرة الإنسانية، أو بما يعود بالنفع على أصحابها، هؤلاء الذين أدخلتهم ظروف الحرب في دوامة وغيرت مجرى حياتهم إلى الأبد.

فاليوم وفي الوقت الذي نصارع فيه نحن اللاجئون بعد الويلات التي مرت بنا للحصول على مستقبل أفضل، وبعد أن قطعنا الكثير من الأشواط في البلدان التي وضعنا رحالنا فيها، يأتيك أحدهم ليقول وبكل برودة أعصاب “لابد لنا الآن من التواصل مع حكومتهم لكي نعيدهم إلى بلادهم”، وكأن حياتنا مجرد لعبةٍ بأيديهم، متجاهلين بذلك سبب تواجدنا هنا.

وهذا الفعل إنما يشير إلى مدى الكره الذي يكنّه هؤلاء لمبدأ الحرية والمساواة بين الناس وأيضا مبدأ حق الحياة الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة الثالثة وجاء فيه “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”.

ولم يتوقف الأمر فقط عند هؤلاء الكارهين متمثلين بحزب البديل من أجل ألمانيا، والذي بات بدوره يمثل كابوسا بالنسبة للكثيرين، بل انسحب أيضاً على بعض الأحزاب الداعمة للاجئين، والتي قامت من جهتها بتوجيه صفعة  للاجئين، قلبت الموازين رأساً على عقب وزادت من تعقيد المسألة، فاليوم بات الآلاف من اللاجئين مهددين بالترحيل إلى بلادهم، دون اكتراث لما قد يؤثر مثل هذا القرار على حياة أولئك الذين أعادوا إلى حد ما ترتيب أولوياتهم بما يضمن لهم مستقبلاً أفضل في البلاد التي منحتهم فرصة حياة كريمة بعيدة عن الخطر، وأيضا أضف إلى ذلك، القوانين الجديدة لحق لم الشمل والتي باتت تبدو وكأنها تدعم مبدأ تفريق الشمل والحيلولة دون التقاء العائلات التي طال فراقها.

إن محاربة فكرة اللجوء الإنساني صار اليوم الشغل الشاغل ليس فقط في ألمانيا بل في كل أوروبا، بالأخص في الدول التي تمثل الحدود الأوروبية مع القارات الأخرى، والمتمثلة باليونان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، ليمتد الأمر أيضاً  من خلال عقد اتفاقيات مع الدول التي تمثل خط التماس في القارات الأخرى، كليبيا والجزائر وتركيا، حيث ساهمت هذه الاتفاقيات في انحسار كبير في عدد الوافدين عن طريق البحر إلى الجزر اليونانية في بحر إيجة، وإلى السواحل الإيطالية، ولكن هذا الإجراء انعكس سلباً على أوضاع المدنيين الفارين من إفريقيا ومن آسيا حيث أنه غالبا ما يتعرض اللاجئون لاعتقالات تعسفية وتعذيب من قبل سلطات الدول التي تشكل نقطة التماس مع الدول الأوروبية، وتغيب عنها مظاهر الاهتمام بحقوق الإنسان، وأخص بالذكر ليبيا التي تشكل نقطة الانطلاق للكثير من اللاجئين ولهذا تهتم اليوم الدول الأوروبية بتدريب ضباط خفر السواحل الليبي وسط مخاوف مستمرة -على حد قولهم  -من العنف والظروف المهينة في مراكز الاحتجاز في ليبيا وعدم وجود نظام لجوء ليبي.

وعلى هذا فإن قضيتنا كلاجئي حرب باتت تفقد صفتها الإنسانية في ظل انبثاق مصالح جديدة تتعارض مع الوقوف في صف المظلومين، وتبقى فكرة معالجة النتائج بدلا من معالجة جذورها وأسبابها قائمة في أروقة صناع القرار طالما أنها تتقاطع مع مصالحهم، فبدلا من منع اللاجئين والقضاء على مستقبلهم كان أفضل لو أنهم يمنعون الأسلحة التي تتدفق إلى بلاد اللاجئين وتفتك بهم وتغير مجرى حياتهم إلى الأبد.

فمن  المحزن جدا أن نتحول من بشر إلى أوراق، يحق لصناع القرار تمزيقها متى يحلو لهم وفي أي وقت يشاؤون، متجاهلين بذلك صفتنا كبشر لهم من الحقوق ما لهم وعليهم ما عليهم، متسلطين ومتحكمين بمستقبلك بحاضرك وماضيك، بكل ما لديك من قدرات و علوم وعادات وتقاليد، كل ذلك فقط لأنهم يملكون السلطة و القوة التي تسمح لهم بتغير مسار الأمور كما يريدون.

مقالات ذات صله

اترك رد