أطباء سوريون في ألمانيا … فمن ينصفهم؟

أطباء سوريون في ألمانيا … فمن ينصفهم؟

إيد بإيد -يامن حسين

 

التقيتُ بهم مصادفةً على ضفاف نهر الأيين في مدينة باساو، أقصى جنوب ألمانيا، في إقليم بايرن، حيث كانوا يجتمعون، فتارةً تعلو أصواتهم، وطوراً يسكن أجواءهم صمتٌ مرعب من مستقبلٍ كان من المفترضِ أن يكون معبّداً، بيد أنه ارتطم بالكثير من العثرات والروتين القاتل، والذي كثيرا ًما يكون ظالماً لهم.

هم مجموعة من الأطباء الشباب السوريين، والذين يحملون جهد سنوات من الدراسة والكد على أمل الظفر بالمهنة الإنسانية كطبيب.

إيد بإيد شاركتهم الجلسة واستمعت لمشكلاتهم، أملاً بإيصال صوتهم عبر منبرٍ عربيٍ حديث النشأة، وعلّ مناداتنا تلقىً آذاناً صاغية:

 

مصطفى كريم وحسام الرفاعي وفاروق خليل وعلاء الياس ومحمد كريم، يخبروننا الحكاية، حيث تخرج الأطباء جميعهم من جامعاتٍ سورية، سواءً في دمشق أو حلب، منذ عام 2001، وبعضهم أنجز تخصصه ومارسوا المهنة لعامين أو أكثر في سوريا.

وبحسب ما أطلعنا عليه الأطباء، فإن “ظروف الحرب الظالمة والدمار والتشرد والفوضى هناك أدت بنا إلى اتخاذ قرارنا أسوةً بالكثيرين، بالهجرة إلى ألمانيا، رغبةً منا بالحياة الكريمة الآمنة، وممارسة عملنا في مجال الطب”.

 

ويضيف الأطباء: “منذ وصولنا إلى ألمانيا منتصف عام 2015 بدأنا بدراسة اللغة الألمانية، لأنه من الطبيعي أن تكون اللغة مفتاح أي بلد بالنسبة للأجانب، وبالفعل أنهينا مستوًى جيداً في اللغة، لكن الوقت بالتأكيد غير كافٍ كي تصبح مهارتنا باللغة الألمانية مماثلةً للغتنا الأم”.

بعد ذلك، انتقل الأطباء للمرحلة الثانية، وهي التدريب العملي، وعن هذه التجربة يقول الأطباء لإيد بإيد: “بمساعدة مجموعةٍ من المواطنين الألمان، تم قبولنا بتنفيذ تدريبٍ عملي (Praktikum)، لمدة 3 أشهر، واستطعنا إنجازه بنجاح في مشفى باساو”. لكن لمركز العمل (Jobcenter) رأيه أيضاً، “ألزمنا مركز العمل بدورة لغة تخصصية في المجال الطبي مدتها ستة أشهر، وهي دورة مهمة وضرورية لتسهيل عملنا مستقبلاً” تضيف المجموعة.

تبدو الطريق ميسرة ومنطقية، بل مفتوحةً أمامهم بشكلٍ جيد لوصولهم لمرادهم، فأين تكمن المشكلة؟، يجيب الأطباء: “من أهم الشروط للعمل في ألمانيا في المجال الطبي، هو الحصول على اعتراف رسمي من الحكومة بالشهادات العلمية التي نحملها” وتكمل المجموعة: “تقدمنا بطلب لحكومة بايرن في ميونخ، بغية الاعتراف بشهاداتنا الطبية، للحصول على الترخيص الدائم بمزاولة المهنة، وفي الأحوال الطبيعية فإن حكومة بايرن تبلغ الطبيب أن أمامه خيارين، الأول وهو الخضوع لاختبارٍ وطنيٍ عام بالعلوم والطب العام باللغة الألمانية واجتيازه، والثاني، هو عرض كافة أوراقه وشهاداته والثبوتيات التي يمتلكها على خبيرٍ يقوم بدراستها، ويقرر فيما إذا كانت الشهادة سبق وأن صدرت عن جامعةٍ معترف بها، وهو القانون المعمول به في إقليم بايرن”.

وبالفعل، قام مركز الاعتراف بالشهادات في ميونخ بمنح المجموعة الخيارين السابقين، ليختار جميعهم عرض الشهادات وكشوف العلامات الجامعية كاملة على خبير، ويقولون: “بعد ترجمة كافة الأوراق المطلوبة، والتي استغرق بعضها الكثير من الوقت والمال للحصول عليها من سوريا والجامعة، قمنا بإرسالها لمركز الاعتراف”.

وفيما كانت المجموعة بانتظار إتمام الإجراء الروتيني كانت المفاجأة، حيث أرسلت لهم حكومة بايرن بريداً مفاده بأن هذه العملية لم تعد فاعلةً بعد الآن، وعن هذا يخبرنا الأطباء: “أخبرتنا الحكومة بعدم إمكانية قبول خيارنا بعرض الشهادات على الخبير، حيث تم إلغاء هذا الأمر لحملة الشهادة الطبية السورية، ليتم حصر عملية القبول باجتياز الاختبار الوطني العام بالعلوم الطبية، كخيارٍ وحيد للاعتراف بالشهادة والحصول على تصريح العمل”.

وفي حين أبدى الأطباء استغرابهم من هذا الإجراء، بررت لهم الحكومة في ولاية بايرن قرارها، حيث أجابتهم، وبحسب ما أطلعنا الأطباء: “نتيجة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مساحاتٍ واسعة من سوريا، فقد عمد إلى تزوير الكثير من الشهادات في المناطق التي يسيطر عليها من البلاد، إضافةً إلى أن السفارة الألمانية في لبنان، لم تعد تصدق الوثائق العلمية القادمة من سوريا منذ العام 2015”.

بيد أن وقع المفاجأة كان كبيراً على مجموعة الأطباء، وغيرهم من المجازين من الجامعات السورية والقادمين إلى ألمانيا بشكل عام، وبايرن بشكلٍ خاص، ويبرر الأطباء صدمتهم بالقول: “في الواقع لم نفهم جيداً سبب الظلم الذي تعرضنا له، حيث إن الشهادات التي نحملها كانت قد صدرت من مناطق لا تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، علاوةً على ذلك فإن تاريخ تخرجنا من الجامعات السورية قبل الحرب، وسبق لنا وأن مارسنا المهنة لمدةٍ لا بأس بها في سوريا”، وتضيف المجموعة: “يمكن لحكومة بايرن التأكد من صحة الشهادات في حال كانت مزورة أم لا بشكلٍ فردي لكل طبيب، وليس من خلال قرارٍ جماعيٍ تعسفي، ينظر إلى أن جميع الشهادات مزورة إلى أن يثبت العكس”.

وفي الختام أعرب الأطباء عن جدّيتهم ورغبتهم الشديدة بالحصول على إذن العمل لمزاولة المهنة والبدء بالعمل الطبي، وبالتالي الاعتماد على أنفسهم بشكلٍ كامل، متأملين من حكومة بايرن أن تعيد النظر بأمرهم، لتسهل عملية الاعتراف بالشهادات، علّهم ينطلقون في حياةٍ جديدة، ويمارسون المهنة التي لطالما أحبوها، فهل من مجيب؟.

 

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: