السكن في ألمانيا……. مشكلة وضعت الكثيرين في خانة التشاؤم

السكن في ألمانيا……. مشكلة وضعت الكثيرين في خانة التشاؤم

تقرير- محمد نعناع/يانا بورشريس

تعتبر مشكلة السكن إحدى أكثر المشكلات التي تعيق استقرار اللاجئين النفسي في ألمانيا، حيث يتوجب على اللاجئين إيجاد مسكن مستقل بأنفسهم دون أية مساعدة من قبل السلطات وذلك على عكس ما يحدث في دول أخرى كالسويد مثلا وهولندا.

وربما كانت العاصمة الألمانية برلين واحدةً من بين أكثر المدن صعوبة من حيث إيجاد السكن، فغالباً ما يقضي طالبو اللجوء نحو السنتين تقريبا بحثاً عن مأوى يساعدهم على الاستقرار، وهذا هو حال الشاب محمود بركات الذي يعيش اليوم في برلين ويقطن في غرفة صغيرة جدا، تكاد لا تتسع حتى لفراشه الممدود على الأرض والذي يعيق فتح باب الغرفة أحيانا، وعلى الرغم من ذلك، لا يمكنه البقاء أكثر من شهرين في هذا المكان، حيث إن هذه الغرفة هي أول سكن خاص له منذ وصوله إلى ألمانيا.

 

وبركات هو شاب سوري من مدينة حلب كان يملك مركزا لرسم الوشوم، وقد تأثرت رسوماته اليوم بالوضع المأساوي الذي تعيشه مدينته، حيث عبر عن هذا الموضوع بمجموع من الوجوه الخائفة من القذائف التي تسقط على مدينته، واليوم يحاول بركات التأقلم مع حياته الجديدة من خلال الموسيقا حيث انه تعلم عزف الجيتار، وعن موهبة الوشم يقول بركات “لقد فقدت موهبتي في الوشم هنا” وذلك كناية منه عن الوضع السيئ الذي يعيشه دون استقرار بسبب التنقل الدائم من مأوى إلى  آخر.

 

بسبب التدخين تم طرده من مأوى اللاجئين

حدثنا بركات عن مراحل لجوئه المبكرة في ألمانيا حيث عانى منذ البداية تحت وطأة سوء السكن، فبعد وصوله تم فرزه ليقطن في أحد المخيمات عام 2015، وهو عبارة عن صالة رياضية كانت تضم الكثير من اللاجئين، وعن وضع الصالة التي كان عليه العيش فيها، يخبرنا بركات: ” كانت الصالة الرياضية حديثة الإنشاء وكان رائحة الخشب والأثاث تسيطر على أنحائها، الأمر الذي زاد من معاناتي وخاصة أني أعاني من مرض الربو”.

حاول بركات بعد ذلك الحصول على مكان آخر يتناسب مع حالته الصحية وقيل له إنه يجب أن يذهب إلى دائرة الصحة والخدمات الاجتماعية-اللاغيزو lageso) ) وهناك انتظر بركات طويلا مع الكثيرين ممن يعانون من مشاكل مختلفة، وفي تلك الأثناء قام بركات بالاتصال بالشرطة أملا بإيجاد حل يتناسب مع وضعه ولكن صدمته هنا كانت كبيرة وخاصة بعد سماعه رد الشرطي حين قال “لم يجبرك أحد على ترك سوريا” وهنا شعر بركات للمرة الأولى أن البحث بمساعدة السلطات لن يجدي نفعا.

وفي النهاية تمكن بركات من إقناع موظف الخدمات الاجتماعية (Lageso) من إعطائه مسكناً في أحد المشافي السابقة للطب النفسي، ولكن على حد قوله: “كان الوضع هنالك كارثياً، حيث يتقاسم نحو 1600 شخص ثمانية مراحيض فقط، الأمر الذي زاد المشكلة تعقيدا”.

بقي بركات في هذا المكان لأكثر من سنة تقريبا، حتى جاء يوم كان يدخن فيه ضمن غرفته، ليفضي الأمر إلى طرده من المأوى، وعن هذه الحادثة يخبرنا بركات: “لم يكن يوجد أي مكان يمكنني المبيت فيه، وكان ذلك ظهر يوم الجمعة ومركز الجوب سنتر مغلق حيث بقيت بلا مأوى حتى يوم الثلاثاء”.

 

أسبوعان في العراء!

وبالفعل، ذهب بركات إلى مركز العمل (Jobcenter) يوم الثلاثاء، ليصطدم بعدم وجود من يساعده اليوم، مما يجعله مضطراً للمراجعة في يومٍ آخر، ليعود بعد يومين مرةً أخرى، ويقول بهذا الصدد: “بالرغم من أني أخبرتهم بعدم وجود مأوى لدي، وأنني أنام منذ أيامٍ في العراء، لكنهم تجاهلوني بكل بساطة”، ويضيف: “في تلك اللحظة فقدت الأمل بأي شكلٍ من أشكال الدعم، وعدت أدراجي، حيث لم أذهب هناك مجدداً، فصرت أقضي معظم يومي بزيارة أصدقائي في مراكز الإيواء، وأستحم هناك وأحصل على قسطٍ من الطعام، ومع حلول الساعة العاشرة مساء كنت أغادر المأوى وأنام أينما تيسر لي، سواءً في محطة القطار، أو في الحدائق العامة”.

استمرت حالة بركات دون مكانٍ يضع رأسه فيه لينام طوال أسبوعين، إلى أن وجد مسكناً يقطن فيه إلى اليوم، وهو عبارة عن غرفة ضيقة جداً، ويصف بركات تجربته مع موظفي مركز إيواء اللاجئين: “كان بعض الموظفين يغسلون أيديهم بعد مصافحة أحد اللاجئين، وهو أمر لطالما أغاظني”، ويضيف: “كنا مضطرين لارتداء سوارٍ حول معصمنا، الأمر الذي لطالما أشعرني بالخجل عند الخروج إلى التسوق أو الشارع، فكنت أحاول إخفاءه خوفاً من أن يراه عامة الناس”.

وشرح لنا السيد فولف رام جايزن هايمر من منظمة (Evangelischen Klubheim) أن مركز العمل (الجوب سنتر)، بالكاد يستطيع مساعدة اللاجئين في الحصول على سكن حيث يتوجب عليهم إيجاد سكنٍ بمفردهم، “وتقوم المنظمة التي يعمل بها بإيجاد حلول لهذه المشكلة حيث تقوم بتأجير البيوت التي تتألف من أربع أو خمس غرف وتخصص منها جزءاً للاجئين”.

 

منذ ثمانية أشهر بلا معونة من الجوب سنتر

يشعر بركات بأن جميع السلطات قد خذلته، ويقول: “أعيش اليوم دون معونةً من مركز العمل، والذي قام بقطع المساعدة عني منذ ثمانية أشهر”، وإلى هذا اليوم يراجع بركات المركز بشكلٍ دوري كل يومين تقريباً للاستفسار عن القضية، دون أن يجد إجابة، أو يحصل على أية مساعدة، ويضيف: “لم يستفسر أي منهم حتى كيف أعيش طوال هذه الأشهر دون معونة، وماذا كنت أفعل؟”، حيث كان أصدقاء بركات يحاولون مساعدته  في معظم الأيام، من خلال إقراضه المال، أو إحضار الطعام، حتى أنه حاول خلال عامه الأول في ألمانيا العودة مرتين إلى سوريا عن طريق اليونان، بيد أن محاولاته باءت بالفشل، وذلك بسبب اعتقاله في المطار وإعادته إلى مسكنه، وعند سؤاله  فيما إذا كان ممكنا أن يأتي دعم للأشخاص الراغبين في العودة إلى بلدانهم، ضحك بركات وبدأ مرهقا وقال “عندما لم يأت أي دعم لي للبحث عن سكن فلماذا ينبغي عليهم مساعدتي للعودة إلى سوريا ؟”.

 

بركات هو واحد من كثيرين، عاكسهم الحظ، واصطدموا بحواجز مختلفة، منها البيروقراطية، وبعض الموظفين غير المسؤولين، وعدم وجوده في محيطٍ قادرٍ على مساعدته من خلال المنظمات الاجتماعية التي تعنى باللاجئين وغيرها، فكيف لبركات وأمثاله أن يجدوا استقراراً في ألمانيا، ويحققوا الاندماج الذي يتحدث عنه السياسيون ليلاً و نهاراً.

 

 

 

 

مقالات ذات صله

اترك رد