عن وسم اللجوء وسؤال الهوية!

عن وسم اللجوء وسؤال الهوية!

رند صباغ -رئيسة تحرير إيد بإيد

 

لم يلتفت الرأي العام العالمي بشكلٍ حقيقي لمسألة اللجوء، إلا إثر ما عرف في أوروبا بـ “صيف الهجرة” أو “أزمة اللاجئين” عام 2015، لتبدأ وسائل الإعلام الغربية والألمانية منها بتناول القضية وكأنها وليدة اللحظة، بالرغم من أن أفواج اللاجئين والمهاجرين حول العالم لم تتوقف في يومٍ من الأيام، وبطريقة أو أخرى، كانت تشكل إحدى الدعامات الأساسية لتشكيل الهويات المعاصرة ثقافياً وحضارياً إثر الهجرات المتلاحقة، وهو ما يشير إليه الفيلسوف البلغاري تزيفتان تدوروف في كتابه “الخوف من البرابرة”  بأنه “لا توجد ثقافة خالصة أو مختلطة فكل الثقافات مركبة هجينة أو مهجنة بما فيها الهوِّيات الفردية والجماعية كممثل للثقافة من جراء التواصلات الإنسانية بين البشر.”

لكن ربما كان أهم ما طرحته قضية اللجوء بشكل مباشر أو غير مباشر، هو الرسالة التي حملها اللاجئون للعالم بأسره: “جميعنا معنيون بما يحصل في هذا العالم”، فقرب المأساة جغرافياً أو بعدها لا يغير في الحقيقة أي شيء، سوى أنها لا تبدو حقيقيةً بشكلٍ كافٍ في بعض الأحيان.

فمنذ ست سنوات، لم يتخيل أي منا (كسوريين على الأقل) أن يجد نفسه مرغماً على الخروج من البلاد، لنصبح لاجئين بين دول الجوار وصولاً إلى أوروبا وكل أصقاع العالم، حتى إبان انطلاقة الثورة السورية في آذار 2011، كانت الرغبة العامة تنادي بحياةٍ أفضل ضمن حدود الوطن بفتح المزيد من الأبواب للحريات بما يتناسب مع حفظ كرامة الإنسان في بلاده ومنحه حقوقه الكاملة، ومحاسبة الجناة.

إلا أن التحولات المذهلة في واقعنا دفعتنا للخروج والبحث، بعضنا شق عباب البحر، وآخرون كانوا أكثر حظاً ليصلوا ألمانيا وأوروبا بطرق أكثر أماناً، إلا أن وصول هذه الأعداد المذهلة فتح أبواباً كثيرةً للنقاشات، سواءً ممن اعتنقوا ثقافة الترحيب، أو ممن اتخذوا موقفاً سلبياً من القادمين الجدد، وفي الحالتين خلق الأمر نوعاً من التصنيف الاجتماعي الجديد، محدثاً رضةً عميقةً في هوياتنا، وعلاقتنا مع أنفسنا كما اعتدناها من قبل، فالتبدل الأول بالانتقال من الناشط أو المواطن العادي إلى الضحية، تحول بدوره بشكلٍ سريع ليصير الانتقال من الضحية إلى المشتبه.

في حين أن الضخ الإعلامي والسياسي في أوروبا ومن ضمنها ألمانيا جنح إلى استخدام اللاجئين وترتيب المفردات بشكلٍ يحمل في طياته إمكانيةً لخلق تصنيفاتٍ اجتماعيةٍ جديدة، بالتالي أصبح اللاجئون أشبه بالكتلة المصمتة، تتمتع بصفات ثابتة مفترضة كالخلفية الثقافية والاجتماعية والإثنية والدينية.

هذه المجموعة من الصفات كانت كفيلة بخلق حاجزٍ بين الكثير من السكان المحليين والقادمين الجدد، بما رسخته من اختلافٍ وتنميط بالدرجة الأولى بين الطبقتين إن صح تصنيفهما بهذا الشكل، ليصبح هناك مجتمع من المحليين في مواجهة مجتمع اللاجئين، حيث يتم تقديم الأخيرة في العناوين الرئيسية بشكل أبرز من غيره، “اللاجئ الذي وجد محفظة وأعادها”، أو “اللاجئ الذي تحرش بفتاة”، وغيرها من العناوين اليومية، والتي تجعل من الموضوع قابلاً لأن يمس أي شخص يحمل صفة اللجوء.

وإن كانت الهوية هي عبارة عن المحددات الرئيسية التي تميز الفرد أو الجماعة، بحسب ما يراها علماء الاجتماع، فإن علاقتها بالمتغيرات المحيطة أمر لا يمكن نكرانه، فلا يمكن زج الهوية في خانة الثابت، وإضفاء صفة الجمود عليها، وإن كانت الهوية التي اعتدنا على حملها قبل اللجوء، كانت تحمل تراتبية تتعلق بالانتماء الوطني أو الديني والصفة المهنية أو العلمية إضافة للجنس والوضع الاجتماعي، فإن هذه الهوية لم تكن بالتماسك الذي كنا نعتقد، أو كما يشير المفكر اللبناني أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة بأنه “في حال وجود نوع من التراتبية بين العناصر التي تشكل هوية كل فرد، فهي ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن وتُغيّر التصرفات بعمق”.

وفي الخلاصة، تم تحويل اللجوء من صفة قانونية يحملها الفرد تسمح له بالإقامة على أراضي الدولة المضيفة إلى سمة أساسية من سماته، ما زاد في عبثية الهوية وتحولاتها الجذرية بالنسبة للقادمين الجدد، والذين لا يتشابهون بالضرورة بأكثر من صفتهم القانونية، لتدخل في ترتيب الهوية الجمعية الجديدة وتحجز مكاناً كصفةٍ رئيسية، ما يغير في نظرة اللاجئ إلى نفسه بشكلٍ من الأشكال، بسحب صفاته الرئيسية ومحددات هويته التي كان يشعر بالانتماء إليها، إلى هويةٍ جديدة أقل ما يمكن لها أن تشعره بالاغتراب والتماهي في الجماعة الكبرى بعيداً عن أية مميزاتٍ فردية، فعلى سبيل المثال، استطاعت صفة اللجوء إزاحة الصفات الأولية التي تحدد شخصيتي،  فاليوم قبل تصنيفي بالمرأة، أو السورية، أو الصحفية، أو حتى اسمي، أصبحت الأولوية لكوني لاجئة، والتي أخذت شكلاً أشبه باللاحقة أو النمط المضاف لأية صفة أخرى،  كأن يقال امرأة لاجئة، سورية لاجئة، صحفية لاجئة.. إلخ، والتي تستطيع التأثير بدورها على طرق التعامل مع اللاجئ، لاغيةً بشكلٍ من الأشكال إمكانية التعاطي المحايد مع الفرد، سلباً أو إيجاباً، ليتم التعامل مع صفة اللجوء بشكل رئيسي قبل أي شيء آخر، بدءاً من البحث عن شقة وصولاً إلى الحصول على وظيفة أو فرصة تعليمية أو غيرها.

كل ما سبق تمكن من التأثير على تصرفاتنا ووجهات نظرنا أيضاً، حيث تشعر الجماعة المختلقة اليوم بالفخر أو العار أو الغضب أو حتى التهديد حيال أي تصرف يبدر من أفرادها المفترضين، والذي قد لا يتقاطع معهم أي أحد أفراد هذه الجماعة بأي من المحددات الأساسية للهوية بما يتجاوز اللجوء، الأمر الذي قد يدفع الكثير من اللاجئين لرفض مواجهتهم بلجوئهم بما خلقه من شعورٍ بالنقص والعار الخاطئين، لنشعر وكأننا موسومون باللجوء، عوضاً أن يوسم العالم بأنه تركنا لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم!.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: