المجمعات الثقافية في برلين

المجمعات الثقافية في برلين

إيد بإيد-برلين-أحمد جعدان

إن الثقافة هي آلية انتقال حياة الإنسان الفكرية فهي تتجسد في الجهد المبذول في سبيل تخطي المآزق المحيرة، و الناتج الفكري للإنسان، على مدى عصور متتالية مشكلة بذلك مجمعات ثقافية تضم بين طياتها جميع أشكال الفنون والتقاليد والمعارف بكل جوانبها وصعدها سياسيا كان أو جغرافيا أو تاريخياً وحرفياً، لتشمل كل معارف وفروع الحياة.

ومن بين أشكال التجسيد الثقافي، كانت المكتبات، والتي لا تقتصر على كونها مجرد تجمع للأوراق والكتب المصفوفة، إنما بوصفها الوعاء الحاوي للحاصل الفكري الإنساني ابتداءً من مثلث خزانة القرويين في مدينة فاس التي ذهب الكثير من المؤرخين باعتبارها أقدم مكتبة في العالم حيث يعود تأسيسها للعام 859 م في وقت تأخرت مجمعات ثقافية عن شتى بقاع الأرض.

وشهد القرن السادس عشر في ألمانيا حركةً ثقافيةً ومؤسسيةً واسعة، كان من شأنها نشر العلم وتمهيد الطريق أمام هذه المجمعات حتى وصلت في وقتنا الحالي إلى ما يقارب عشرة آلاف وحدة مكتبية ألمانية، من بينها المكتبات والمجمعات العامة والجامعية والمدرسية والرقمية والمتخصصة إلى جانب مكاتب المفقودات الألمانية، إضافة إلى الأرشيف الاتحادي أون لاين والمؤسسة الاتحادية.

كما تعرف برلين أرشيفاً سينمائياً كبيراً، ومكتبةً مركزيةً طبية، ومكتبة العلوم الاقتصادية ومكتبة برلين المركزية التي يعود تأسيسها للعام 1661 م مستوعبةً ما يزيد عن عشرة ملايين كتاب، ناهيك عن آلاف المخطوطات التي تتخطى الحدود الألمانية الفكرية بمحتوى فكري إسلامي وشرق أوسطي.

ويرى الكثيرون بأن محتويات هذه المكتبة تشكل كنزاً ضخماً لاحتوائها على كتب بما يقارب 140 لغة من شتى بقاع الأرض، طغى عليها الطابع الآسيوي والأفريقي والأوروبي. هذا وتنقسم المكتبة المركزية إلى مركزين رئيسيين، حيث بدأ العمل في القسم الثاني منذ عام 1919، وذلك بعد أن تم تجهيزها والتأكد من تزويدها بآلاف الكتب والمخطوطات الشاملة، لتفتح أبوابها حتى يومنا الحالي.

والجدير بالذكر، أن هذه المكتبات لا تفتح أبوابها للسكان المحليين فحسب، بل للطلاب الأجانب ممن اختاروا برلين وجهة لهم، أو القادمين الجدد، مقدمةً الكثير من التسهيلات للاجئين، كالاشتراك المجاني من خلال بطاقة برلين (Berlin pass)، لتسمح باستعارة الكتب، إلى جانب الخدمات والوسائل التقنية المتاحة سواءً من خلال خدمات الإنترنت أو وسائل البحث المختلفة وأجهزة الكمبيوتر.

على صعيد المكتبات العربية، شهد مطلع العام الفائت 2016 افتتاح مكتبة بيناتنا بقرار من وزارة الثقافة الألمانية، وذلك حرصاً على تشجيع التبادل الثقافي والحضاري، آخذين بعين الاعتبار الإقبال الغربي على اكتشاف المحتوى الثقافي العربي وازدياد متعلمي اللغة العربية والباحثين فيها، حيث يذهب البعض لاعتبارها وسيلة تقارب وانفتاح، حتى أخذت منتدياتها ومحاضراتها منحىً جديداً، لتشكل خطوةً هي من بين الأوائل في العمل على نشر الثقافة العربية والتنوير، سواءً بفحواها، أو فيما تقدمه من أنشطة من شأنها مد جسور التواصل في المهجر، سواء كان بين أبناء بلاد المنشأ الواحد أو الراغبين بالاطلاع على ما هو مختلف من خلفيات ثقافية جديدة.

في النهاية مهما تعددت التصنيفات أو التسميات، فقد ساهمت المكتبات بدورٍ ثقافيٍ نهضوي، ابتداءً من الألواح الطينية، وصولاً إلى أحدث الوسائل المكتوبة والمقروءة والمسموعة والمرئية، وذلك في سبيل إرضاء ميولنا الثقافية، قاطعةً شوطاً كبيراً حتى تتحول إلى بوتقة تنصهر فيها مستجدات الفكر البشري ليتسنى لنا التمتع بثمار هذا الفكر.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: