إنه الاندماج يا سادة …

إنه الاندماج يا سادة …

إيد بإيد- محمد حورية

تخصص الحكومة الألمانية قسماً كبيراً من ميزانيتها السنوية في عملية اندماج اللاجئين الجدد، ويأخذ هذا الاندماج أشكالاً وجوانب مختلفة، منها الاجتماعي متمثلاً باللغة، أو المهني ويتمثل بسوق العمل.

وتذكر بعض الأرقام الصادرة عن حكومة ألمانية الاتحادية تفاصيل الميزانية السنوية التي رصدتها لتسريع عملية دمج اللاجئين في سوق العمل، ففي مشروع ميزانية 2017 تم تخصيص نحو 610 مليون يورو لدورات الاندماج. بالإضافة إلى ما يزيد عن 1.5 مليار يورو لدمج اللاجئين في سوق العمل، و410 مليون يورو لإجادة اللغة الألمانية المرتبطة بالمهن، و300 مليون يورو لشؤون العمل في تدابير تتعلق باندماج اللاجئين، لترصد ما مجموعه 2.820 مليار يورو في المحصلة.

وبالرغم من وعي بعض اللاجئين لأهمية هذه المرحلة، إلا أن نسبة ليست بقليلة ما زالت تعاني من فهمٍ خاطئ حيال مفهوم الاندماج، والذي يسعى بالدرجة الأولى إلى إخراج اللاجئ من القوقعة التي يعيش فيها، والبدء بحياة اجتماعية وعملية جديدة، تنقله من شخص يعيش على المساعدات، إلى إنسان منتج له كيانه المستقل، بالإضافة إلى ما يعنيه الاندماج من تقبلٍ للآخر واحترامٍ لاختياراته، بغض النظر عن درجة توافقها معنا.

كما تعج حياة اللاجئين اليومية بالكثير من التفاصيل والمفاهيم الخاطئة الأخرى، والتي تحولت مع مرور الوقت، إلى لغةٍ متداولة بين فئةٍ لا بأس بها منهم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك من يطلق على المعونة الشهرية اسم (الراتب)، ما يوحي بأن هذا المبلغ تمنحه الحكومة الألمانية لقاء جهد يقوم به!، وتكمن المشكلة في تبني الكثيرين لهذا المصطلح، ما قد يعني ربما اعتمادهم لوقتٍ أطول على هذه المساعدات باعتبارها من وجهة نظرهم (راتبا) وحقا مكتسبا.

في سياق مختلف، هناك من يرى في تعلم اللغة والجلوس على مقعد الدراسة إهانة له أو انتقاصاً من قيمته وقدره. !، فترى البعض يتعاملون مع الموضوع وكأنه شكل من أشكال (العقاب) المفروض عليهم، علماً أن التكاليف السنوية لهذه الدورات تبلغ أكثر من نصف مليار يورو، تقدمها الحكومة الألمانية للاجئ بشكل مجاني، في حين يضطر الكثير من المهاجرين إلى دفع هذا المبلغ من نفقتهم الخاصة.

اجتماعياً، بدأ الكثير من اللاجئين بالاندماج الاجتماعي الجديد من خلال الابتعاد عن الأسرة والعلاقات الاجتماعية التي كانت تميز مجتمعاتنا الشرقية، حتى ظهرت حالات عزلة اجتماعية دمرت ما تبقى من الحياة الاجتماعية العربية، وربما يظهر الأمر بشكلٍ جلي في ارتفاع نسب حالات الطلاق بين اللاجئين، وازدياد الخلافات الأسرية، في حين يرى الكثير من اللاجئين أن ذلك نتيجة طبيعية لعملية الاندماج.

وعلى الرغم من انفتاح المجتمع الألماني على المجتمعات والثقافات الجديدة إلا أن البعض يصرّ على تحميل مسؤولية الوضع السيئ الذي آلت إليه بعض العلاقات الاجتماعية (للانفتاح المفرط) لدى البعض، ولكن المشكلة قد تكمن أيضاً بالانفتاح المفاجئ الذي انتهجه بعض اللاجئين، والذي أثر سلباً على حياتهم اليومية لتغدو أكثر سطحية واستهلاكية، ناهيك عن إدمان البعض على الكحول أو المخدرات، وبالأخص بين فئة الشباب واليافعين ممن تخلصوا من الوصاية الأسرية في ألمانيا والتي كان من شأنها ضبط تصرفاتهم إلى حدٍّ ما، ما أثر بدوره سلباً على الصورة المأخوذة عن اللاجئين لدى المجتمع الألماني.

في بلد يمنح الفرد الحرية الكاملة أصبح لزاماً علينا احترام هذه الحرية، دون أن تتم مطالبة اللاجئ بتقليد ما يراه هنا بشكلٍ أعمى، بل استثمار الحقوق التي منحه له في توليد طاقاته الإبداعية التي كانت مكبوتة في بلاده، ولاشك بأن هناك نماذج من اللاجئين ممن رسموا صورةً مشرقةً ونموذجية عن اللاجئين ممن فجروا طاقاتهم واستطاعوا تحقيق ذاتهم بالرغم مما مروا به من ظروف، وهو ما يتطلب بذل جهدٍ كبير، وتذليل عددٍ من العقبات، ليس آخرها اللغة، ولكن ليس هناك خيار آخر في هذه البلد إما أن تكون أو أن تبقى كما أنت،  وإلا وفي المستقبل القريب، لن تجد لك مكاناً هنا حتماً.

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: