العزلـــــــة الاجتماعية أسبابها وحلولها .

العزلـــــــة الاجتماعية أسبابها وحلولها .

ايد بايد – برلين – محمد حورية 

لاشك أن الحرب السورية تعتبر من أسوء الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث , حيث أن آثار هذه الحرب طالت الحجر والبشر وتركت آثارها تصدعات عميقة في نسيج المجتمع السوري بكل أطيافه وطبقاته .

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة حول عدد الضحايا ولكن أجمعت جميع التقديرات على وجود أكثر من 350 الف قتيل و وعدد يفوق المليون جريح و أكثر من 6 ملايين مهجر موزعين على أكثر من 20 بلدا .

ومع ابتعاد أكثر من ربع الشعب السوري عن أرضه و محيطه الاجتماعي طفت على السطح عدد مشاكل اجتماعيه تطورت وتعمقت نتيجة لحركة اللجوء الجديدة , حيث أن السوريين حملوا مشاكلهم معهم الى البلاد التي وصلوا إليها وأصبحت هذه المشاكل تترك آثارها على الأسرة و التي هي النواة الاجتماعية الأهم و الأصغر في أي مجتمع.

ولعل مشكلة ” العزلة الاجتماعية ” تعد من أكبر المشاكل التي تواجه بعض اللاجئين الجدد وما يرافقها من شعور بالغربة وعدم الاستقرار ويرى كثير من الخبراء النفسيين أن شعور اللاجئ بالعزلة الاجتماعية يعود لعدة أسباب أهمها …

* العيش في بيئة خالية من الشبكات الاجتماعية :

أي أن معظم اللاجئين يضطرون للعيش فترة طويلة في مجمعات سكنية تتوفر فيها المتطلبات الاساسية من ( طعام وشراب و مكان للنوم …الخ ) ولكنها تفتقر إلى البيئة الاجتماعية الحاضنة مما يكرس انعزالهم ضمن العائلة الواحدة أو حتى على نطاق اللاجئ مع نفسه .


* الضغط النفسي والعقلي :

بتعرض الكثير من اللاجئين إلى ضغوط نفسية مرتبطة بإجراءات اللجوء و القرارات اليومية التي تصدر عن دائرة الهجرة وأثرها على اللاجئين مما ينعكس سلبا على التعامل بين أفراد الأسرة الواحدة و اللاجئيين فيما بينهم أو حتى مع المجتمع الجديد, حيث يترافق ذلك مع خلافات يومية حتى على أبسط الأمور

* البطالة والاعتماد على المساعدات :

تعتبر البطالة من الأسباب الرئيسية التي تكرس العزلة الاجتماعية ضمن نطاق الأسرة الواحدة مما بنعكس سلبا على العائلة نتيجة للفترة الطويلة التي بقضيها الزوج مع زوجته, أو الفرد مع أشخاص آخرون ضمن غرفة واحدة أو كامب واحد وبالتالي بروز خلافات لم تكن لتظهر لو توفر العمل .

* الاندماج العشوائي :

المفهوم الخاطئ للاندماج عند بعض اللاجئين يكرس حالة العزلة والخوف من المجتمعات الجديدة على القيم والعادات التي نشأت عليها الأسرة العربية , إضافة إلى ميل الكثير من اللاجئين للانعزال في مكان يوفر لهم ألفة افتقدوها .

ولتسليط الضوء أكثر على هذه الظاهرة استطلعنا آراء عدد من اللاجئين الذين قدموا إلى ألمانيا حول هذه الأسباب ….

أحمد حاج محمد 45 عاما لاجئ سوري في ألمانيا من ريف إدلب يشرح لنا سبب تأخره في تعلم اللغة وابتعاده عن الاندماج بالمجتمع الجديد ويقول : ” أجد صعوبة في العودة إلى الدراسة وانا في هذا السن و هناك الكثير من العادات الألمانية المختلفة عن عاداتنا و هذا يجعلني أخشى على اسرتي واولادي” .

أما عامر البيروتي 20 عاما شاب سوري أيضا في المانيا قال” لا أجد مشكلة أو صعوبة في التأقلم مع المجتع الالماني حيث لمست فيهم حب المساعدة وعلى الرغم أني بعيد عن أهلي وعائلتي إلا أني أعيش مع اسرة المانية وهم يعاملوني كواحد منهم مما ساعدني في تعلم اللغة بشكل أسرع ..”

السيدة فاطمة 35 عاما سيدة سورية متزوجة ولديها ولدان تقول : ” لجئت إلى ألمانيا قبل عامين بعد أن

” قتل زوجي في سوريا ومع ضيق الحال وافتقاد المعيل لي وأطفالي فلم يعد أمامي سوى السفر لكي أستطيع تربية أطفالي وعندما وصلت إلى هنا كنت وحيدة ولكني كنت دائما حريصة على تعلم اللغة بأسرع وقت وأن أدخل اطفالي المدرسة وكان هدفي هو أن أأمن لأطفالي حياة كريمة وأربيهم كما تربيت أنا وبقائي بعيدة ومنعزلة سوف يدمر مستقبلهم .”

بالمقابل يرى البعض أن هناك حالات كثيرة استطاعت خلال فترة قصيرة التأثير بالمجتمع الالماني بل واستطاعوا جذب الانتباه إليهم كحالات ابداعية, مع احتفاظهم بعاداتهم وتقاليدهم دون أن تؤثر البيئة الاجتماعية الجديدة على حياتهم اليومية .

وعلى الرغم من الجهود التي تقوم بها الجمعيات والمؤسسات الخاصة والعامة إلا أنه يبقى هناك حلقة مفقودة عند البعض وهذه الحلقة تحول بينهم وبين التأقلم مع الوضع الراهن في الوقت الذي يعتبر الكثيرون أن ما تقدمه الحكومة الألمانية إلى اللاجئين هو أكثر مما يتمناه الكثير ممن يعيشون في المخيمات في الدول الأخرى .

الحلول المقترحة لتجاوز أزمة العزلة الاجتماعية …

بعد عدة دراسات واحصائيات قامت بها عدة جمعيات ومراكز بحوث مستقلة وجدوا أن هناك عدة خطوات مهمة يجب على اللاجئ اتباعها لتخطي حالة الانعزال الاجتماعي الذي يعاني منه …

1- التفكير بإيجابية :

لكي يستطيع اللاجئ تخطي الحالة التي يمر بها عليه التفكير بإيجابية والابتعاد عن الاشخاص السلبين و عليه أن يدرك بأن المرحلة التي يمر بها ( رغم صعوبتها ) إلا أنها مؤقتة قد تطول أو تقصر ولكن مما لا شك فيه سوف تنتهي .

2- عدم التفكير بالماضي القريب :

لعل الذكريات المؤلمة التي مر بها الكثير من اللاجئين تجعلهم غير قادرين على نسيانها مما ينعكس على تصرفاتهم والحل الأفضل لهذه الحالة عدم متابعة الاخبار اليومية عن البلد والاكتفاء بالاطمئنان عن الأهل في الوطن و التفكير دائما بطريقة ترسم من خلالها صورة أفضل ليوم غد, و حصر التفكير بما يجب أن يكون وليس بما كان .

3- العمل :

في بداية الأمر على اللاجئ أن لا ينتظر حصوله على أموال كثيرة في اي عمل.

بل عليه أن يعمل حتى ولو بأجر رمزي ( خاصة للأشخاص الذين لم يحصلوا على إقامة بعد ) وفي بعض الاحيان لابأس من العمل التطوعي وذلك يساعد في ملئ ساعات الفراغ الطويلة و يساهم أيضا في تعلم اللغة نتيجة للاحتكاك المباشر مع الألمان .

4- النظرة النمطية والقوالب الجاهزة :

على اللاجئ الابتعاد عن النظرة النمطية عن المجتمع الغربي و التفكير دائما بأنه مجتمع خالي من القيم بل على العكس عليه دائما النظر إلى هذا المجتمع على أنه الشعب الذي استطاع الوقوف والنهوض ببلده بعد حرب دمرته كليا و الوصول به الى الرقم واحد في سلم الاقتصاد الاوربي و ما نراه اليوم دليل بأنه مجتمع لديه قيم وعادات رغم اختلافها عن عاداتنا وقيمنا .

5- أخيرا :

ربما من الجيد في بعض الحالات أن يسكن في مكان واحد أشخاص يتكلمون ذات اللغة ولهم ذات الخلفية التي مروا بها ولكن هذا سوف يؤدي بالنهاية إلى التأخر بالتأقلم مع المجتمع الجديد و بالتالي انعزالك ضمن قوقعة المجتمع في هذه المنطقة وحسب .

على اللاجئ أن يتعامل مع الواقع الذي فرض عليه على أنه من اختياره و خيارات المستقبل مفتوحة أمامه و هي تحتاج فقط قليل من الجهد وكثير من التصميم . 

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: