من سيعوضني ذكرياتي

من سيعوضني ذكرياتي

لأسباب عديدة عصفت ببعض البلدان حروب طاحنة كان وقودها ابناء الشعب البسطاء  ولحق بسبب ذلك دمار كبير ليس ببناء البلد فحسب بل ببناء العقل السليم للفرد في هذه المجتمعات التي نخرتها الحروب ومنها ما لم يكن في الحسبان فقدانه ، ولم نكن نتصور أن نفقده في يوم من الأيام فقد كنا نحافظ عليه كما كنا نحافظ على حدقات عيوننا وفجاةً تركناه بلا وعي منا بسبب الأخطار التي لحقت بنا وبأحبابنا وبعد أن استقر الحال بنا في المهجر ولملمنا شتات عقولنا ودخل السلام نفوسنا بعد أن هجرها في بلداننا .


جميل كاتب وصحفي  36 عاما ترك بلده منذ عام ونصف يقول  كنت لا أشتري نقالا حديثا أو أشتري أي شي غال ، كنت أوفر من أجل أن أشتري الكتب وجمعت أكثر من خمسمئة كتاب بمختلف المجالات وكنت أبحث عن القديم منها لأن له الأولوية في مقتنياتي .
للأسف الآن كل كتبي في مهب الريح بعد ان احرقت بيتي المجموعات المسلحة أعداء الثقافة والكلمة الحرة.

أمير رياض تاجر مواد غذائية 52 عاما يحكي ما حدث له بحرقة وهو يتذكر التحفيات التي كان يجمعها في سفراته التجارية وكان يصونها بشكل دوري ويعتبرها جزءا من عائلته اندثرت تحت قصف طائرات النظام على منطقته ( تركنا الحديث لأن عيناه دمعت وأطرق راسه حزنا ) . وواسيناه بنظرات حزينة.

نادية 23 سنة ربة بيت قالت أنا كنت وحيدة لأبي وأمي وكانا يحتفظان لي بكل مقتنياتي المهمة طبعا منذ ولادتي إلى أن كبرت مثل أول قطعة قماش لففت بها عند ولادتي وأول لعبة إضافة إلى العديد من الصور والرسوم والأشغال اليدوية التي عملتها في صغري وبعد زواجي قام زوجي بنفس المهام بالاحتفاظ بأي شي محبوب عندي …. للأسف تركنا كل شي وهربنا إلى تركيا وهناك علمت بأن الذكريات أصبحت فريسة لبرميل متفجر استهدف شارعنا .. ومنذ وصولنا المانيا قبل سنتين شرعت انا وزوجي بالاحتفاظ بذكريات جديدة علها تعوضني عن الراحلة.


نزار ايمن صاحب مزرعة 62 عام يقول: إن فاجعتي تتعدى كل الفواجع لأني فارقت كائنات حية جمعتها من كل المناطق والدول المجاورة وغير المجاورة كان لدي الطيور والحيوانات الأليفة وكنت أحسن تربيتها ولكن في اليوم المشؤوم وقبل عامين ونصف أصبحت مزرعتي ساحة معركة ولم أستطع الوصول إليها وتركت وطني وهربت وأنا أحمل حزنا عميقا .. مما حدا بي أن أجمع صورا تشبه الحيوانات التي كنت أربيها علها تعزيني في غربتي .

ساهرة فاضل 45 سنة وإيمان فاضل 39 سنة وصلوا قبل عام إلى ألمانيا بعد أن قضوا عاما ونصف العام في تركيا . ساهرة قالت بأنها كانت تتسابق مع إيمان من أجل اقتناء أجمل التحفيات والزجاجيات للاحتفاظ بها وقد اختلفنا وتخاصمنا على مدى أربع سنوات لأن مقتنيات والدتي الراحلة أصبحت من حصتي وبعد الهجرة من بيوتنا تبخرت الذكريات ولم نجد أنا وإيمان أفضل من ذكرى الأخوات ، ونحاول الآن أن نجمع الزجاجيات عبر تنقلنا بأسواق الأحد في برلين … أما إيمان فكانت تومئ براسها موافقة لما تقولها اختها وتبتسم ابتسامة يغلب عليها طابع الحزن .
من جانبها تقول المعالجة النفسية إيناس إبراهيم بأن الذكريات المادية هي محطات تختزل موقفا أو عدة مواقف مفرحة أو محزنة بالنسبة للإنسان ، وفقدانها ليس بالشيء الهين … لكن الإنسان هو الأهم لأنه جامع وأحيانا صانع الذكريات لذلك يستطيع الإنسان التغلب على حزنه بالبدء باقتناء الذكريات الجديدة ويجب ألا يتوقف عند ذكرى معينة لأن الحياة مستمرة ولا تتوقف لا لذكرى ولا لإنسان معين لذا يجب ان نخلق بدائل من أجل أن نستمر بالحياة السليمة .

مقالات ذات صله

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: